في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (51)

10

إنها كلمة القلب الذي وجد الله فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان . القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل الطغيان . القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير :

( قالوا : لا ضير . إنا إلى ربنا منقلبون . إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ) . .

لا ضير . لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف . لا ضير في التصليب والعذاب . لا ضير في الموت والاستشهاد . . لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون . . وليكن في هذه الأرض ما يكون : فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه ( أن يغفر لنا ربنا خطايانا )جزاء ( أن كنا أول المؤمنين ) . . وأن كنا نحن السابقين . .

يا لله ! يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر . وإذ يفيض على الأرواح . وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس . وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين . وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر ، فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد .

هنا يسدل السياق الستار على هذه الروعة الغامرة . لا يزيد شيئا . ليبقى للمشهد جلاله الباهر وإيقاعه العميق . وهو يربي به النفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق ويربي به كل صاحب عقيدة يواجه بها الطغيان والعسف والتعذيب .

فأما بعد ذلك فالله يتولى عباده المؤمنين . وفرعون يتآمر ويجمع جنوده أجمعين :

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (51)

وقوله تعالى : { إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خطايانا أَن كُنَّا } أي لأن كنا { أَوَّلُ المؤمنين } تعليل ثان لنفي الضير ولم يعطف إيذانا بأنه مما يستقل بالعلية ، وقيل إن عدم العطف لتعلق التعليل بالمعلل الأول مع تعليله وجوز أن يكون تعليلاً للعلة والأول أظهر أي لا ضير علينا في ذلك إنا نطمع أن يغفر بنا بنا خطايانا لكوننا أول المؤمنين ، والطمع أما على بابه كما استظهره أبو حيان لعدم الوجوب على الله عز وجل ، وإما بمعنى التيقن كما قيل به في قول إبراهيم عليه السلام : { والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] وقولهم : { أَوَّلُ المؤمنين } يحتمل أنهم أرادوا به أول المؤمنين من اتباع فرعون أو أول المؤمنين من أهل المشهد أو أول المؤمنين من أهل زمانهم ، ولعل الأخبار بكونهم كذلك لعدم علمهم بمؤمن سبقهم بالإيمان فهو إخبار مبني على غالب الظن ولا محذور فيه كذا قيل ، وقيل : أرادوا أول من أظهر الإيمان بالله تعالى وبرسوله عند فرعون كفاحاً بعد الدعوة وظهور الآية فلا يرد مؤمن من آل فرعون . وآسية ، وكذا لا يرد بن إسرائيل لأنهم كما في البحر كانوا مؤمنين قبلهم إما لعدم علم السحرة بذلك أو لأن كلا من المذكورين لم يظهر الإيمان بالله تعالى ورسوله عند فرعون كفاحاً بعد الدعوة وظهور الآية فتأمل .

وقرأ أبان بن تغلب . وأبو معاذ { أَن كُنَّا } بكسر همزة { أن } وخرج على أن إن شرطية والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنا أول المؤمنين فإنا نطمع ، وجعل صاحب اللوامح الجواب { إِنَّا نَطْمَعُ } المتقدم وقال : جاز حذف الفاء منه لتقدمه وهو مبني على مذهب الكوفيين . وأبي زيد . والمبرد حيث يجوزون تقديم جواب الشرط ، وعلى هذا فالظاهر أنهم لم يكونوا متحققين بأنهم أول المؤمنين ، وقيل : كانوا متحققين ذلك لكنهم أبرزوه في صورة الشك لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحاً وتضرعاً لله تعالى ، وفي ذلك هضم النفس والمبالغة في تحري الصدق والمشاكلة مع { نَطْمَعُ } على ما هو الظاهر فيه ، وجوز أبو حيان أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة ولا يحتاج إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون فلا احتمال للنفي ، وقد ورد مثل ذلك في الفصيح ففي الحديث : «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل » ، وقال الشاعر :

ونحن أباة الضيم من آل مالك *** وإن مالك كانت كرام المعادن

وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أول المؤمنين أتم جزم . واختلف في أن فرعون هل فعل بهم ما أقسم عليه أولاً والأكثرون على أنه لم يفعل لظاهر قوله تعالى : { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } [ القصص : 35 ] وبعض هؤلاء زعم أنهم لما سجدوا رأوا الجنات والنيران والملكوت السموات والأرض وقبضت أرواحهم وهم ساجدون ، وظواهر الآيات تكذيب أمر الموت في السجود ، وأما رؤية أمر ما ذكر فلا جزم عندي بصدقه والله تعالى أعلم .