في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (67)

65

حتى إذا انتهى السياق من إسقاط قيمة جدلهم من أساسه ، ونزع الثقة منهم ومما يقولون ، عاد يقرر الحقيقة التي يعلمها الله . فهو - سبحانه - الذي يعلم حقيقة هذا التاريخ البعيد ؛ وهو الذي يعلم كذلك حقيقة الدين الذي نزله على عبده إبراهيم . وقوله الفصل الذي لا يبقى معه لقائل قول ؛ إلا أن يجادل ويماري بلا سلطان ولا دليل :

( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا . ولكن كان حنيفا مسلما . وما كان من المشركين )

فيؤكد ما قرره من قبل ضمنا من أن إبراهيم - عليه السلام - ما كان يهوديا ولا نصرانيا . وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده . ويقرر أنه كان مائلا عن كل ملة إلا الإسلام . فقد كان مسلما . . مسلما بالمعنى الشامل للإسلام الذي مر تفصيله وبيانه . .

( وما كان من المشركين ) . .

وهذه الحقيقة متضمنة في قوله قبلها ( ولكن كان حنيفا مسلما ) . . ولكن إبرازها هنا يشير إلى عدة من لطائف الإشارة والتعبير :

يشير أولا إلى أن اليهود والنصارى - الذين انتهى أمرهم إلى تلك المعتقدات المنحرفة - مشركون . . ومن ثم لا يمكن أن يكون إبراهيم يهوديا ولا نصراينا . ولكن حنيفا مسلما !

ويشير إلى أن الإسلام شيء والشرك شيء آخر . فلا يلتقيان . الإسلام هو التوحيد المطلق بكل خصائصه ، وكل مقتضياته . ومن ثم لا يلتقي مع لون من الوان الشرك أصلا .

ويشير ثالثا إلى إبطال دعوى المشركين من قريش كذلك أنهم على دين إبراهيم ، وسدنة بيته في مكة . . فهو حنيف مسلم ، وهم مشركون . ( وما كان من المشركين ) !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (67)

قوله تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) هذا إعلان مجاهر وتصريح مجلجل وظاهر لا شك فيه ولا غموض عن نفي اليهودية والنصرانية عن خليل الله إبراهيم ، فما كان هذا النبي عليه الصلاة والسلام تابعا لكلا الفريقين ؛ لأنهم كانوا وما زالوا أهل شرك ، وهم بعيدون كل البعد عن الحنيفية المسلمة . الحنيفية القائمة على التوحيد الخالص لله . الحينفية التي تبرأ كل البراءة من وثنية اليهود والنصارى ، أما اليهود فقد عبدوا عزيرا فضلا عن عبادتهم للشهوات ، شهوة المال ، وشهوة التسلط وشهوة الكيد ، وشهوة الهوى بكل صوره وألوانه .

وكذلك النصارى فقد عبدوا المسيح وقالوا فيه من فرط المغالاة والشذوذ ما يثير النكر والاشمئزاز .

وقوله : ( ولكن كان حنيفا مسلما ) لكن حرف استدراك . والحنيف هو المائل عن العقائد الزائغة المنحرفة . أو المتحنف عن الشرك القاصد إلى التوحيد وهو من الحنف بالتحريك وهو يعني الاستقامة واعتزال عبادة الأصنام . ومنه الحنيفية وهي اتباع أمر الله والاستقامة على محجة الهدى{[487]} .

أما قوله : ( مسلما ) أي خاشعا لله بقليه متذللا له بجوارحه ، مذعنا لما فرض عليه . وهو من الاستسلام ، أي الانقياد لأوامر الله والامتثال له بالطاعة والخضوع{[488]} .

هكذا كان خليل الرحمن إبراهيم ، هذا النبي الأواه الحليم لا جرم أنه غاية في الحنيفية المستقيمة البعيدة أشد البعد عن كل صور الإشراك بالله ، ما بين عبادة لصنم أو بشر أو غيرهما من الكائنات وأشكال الهوى والشهوات . ولهذا قال سبحانه : ( وما كان من المشركين ) .

وربما يهرف حانق مارق أو مجادل خصيم بأن ما اعترضتم به على مقالة اليهود والنصارى في دعواهم أن إبراهيم كان منهم- ينسحب كذلك على الإسلام القائل ( ولكن كان حنيفا مسلما ) مع أن إبراهيم سابق لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم بزمن بعيد !

والجواب عن ذلك أن المراد بالحنيف المسلم ما بيناه آنفا . وجملته أن إبراهيم كان على الحنيفية السمحة المبرأة من كل أدران الوثنية والشرك ، الحنيفية التي تعني الميل عن الشرك إلى الإسلام والثبات عليه . وأساس ذلك كله الإقرار الكامل لله بالعبودية وأنه وحده الإله المعبود الديان .


[487]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 143.
[488]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 132 ومختار الصحاح ص 311 وتفسير البيضاوي ص 77 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 372