في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

114

( أفغير الله أبتغي حكماً ، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين ) . .

إنه سؤال على لسان رسول الله [ ص ] للاستنكار . استنكار أن يبتغي حكما غير الله في شأن من الشؤون على الاطلاق . وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله ، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه . ونفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه طالباً حكمه في أمر الحياة كله :

أفغير الله أبتغي حكماً ؟ . .

ثم . . تفصيل لهذا الإنكار ، وللملابسات التي تجعل تحكيم غير الله شيئاً مستنكراً غريباً . . إن الله لم يترك شيئاً غامضاً ؛ ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر ، يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة :

( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ) . .

لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ولتتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته . ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلاً ، محتوياً على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة . كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة . . وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة . . هذا ما يقرره الله - سبحانه - عن كتابه . فمن شاء أن يقول : إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل . . ولكن ليقل معه . . إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدين ، مكذب بقول رب العالمين !

ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير الله حكماً في شأن من الشؤون أمراً مستنكراً غريباً . . إن الذين اوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند الله ، وهم اعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب :

( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) . .

ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة ، يخاطب الله بها المشركين . . سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم ممّن شرح الله صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم فالأمر في الحالين واحد ؛ وهو إخبار الله سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق . . فالحق محتواه ؛ كما أن الحق متلبس بتنزيله من الله . .

وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من الله بالحق . وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به ، ومن هذا الحق الذي يحتويه . وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين ، ويحاربون هذا الكتاب ، حرباً لا تهدأ . . وأشد هذه الحرب وأنكاها ، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب ؛ إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر . وجعل غير الله حكماً ، حتى لا تقوم لكتاب الله قائمة ، ولا يصبح لدين الله وجود . وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها لله وحده ؛ يوم كانت تحكمها شريعة الله التي في كتابه ؛ ولا تشاركها شريعة أخرى ، ولا يوجد إلى جوار كتاب الله كتب أخرى ، تستمد منها أوضاع المجتمع ، وأصول التشريعات ، ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها كما يستشهد المسلم بكتاب الله وآياته ! وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا كله ؛ ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة !

وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله الله مفصلاً ؛ وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق ، يلتفت إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين به ؛ يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين ؛ وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب :

( فلا تكونن من الممترين ) . .

وما شك رسول الله [ ص ] ولا امترى . ولقد ورد أنه [ ص ] عندما أنزل الله عليه : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك . لقد جاءك الحق من ربك ، فلا تكونن من الممترين ) . . قال : " لا أشك ، ولا أسأل " .

ولكن هذا التوجيه وأمثاله ؛ وهذا التثبيت على الحق ونظائره ؛ تدل على ضخامة ما كان يلقاه [ ص ] والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود ؛ ورحمة الله - سبحانه - به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

قوله تعالى : { أفغير الله } فيه إضمار ، أي : قل لهم يا محمد أفغير الله .

قوله تعالى : { أبتغي } ، أطلب .

قوله تعالى : { حكماً } ، قاضياً بيني وبينكم ، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكماً ، فأجابهم به .

قوله تعالى : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً } ، مبيناً فيه أمره ونهيه ، يعني : القرآن ، وقيل : مفصلاً أي خمساً خمساً ، وعشراً عشراً ، كما قال : { لنثبت به فؤادك } . [ الفرقان :32 ] .

قوله تعالى : { والذين آتيناهم الكتاب } ، يعني : علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل ، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب ، وقال عطاء : هم رؤوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالكتاب هو القرآن .

قوله تعالى : { يعلمون أنه منزل } ، يعني : القرآن ، قرأ ابن عامر وحفص : منزل ، بالتشديد ، من التنزيل ، لأنه أنزل نجوماً متفرقة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال ، لقوله تعالى : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } .

قوله تعالى : { من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } ، من الشاكين أنهم يعلمون ذلك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب ، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات المقترحة ، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل بينهم ، وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون لهم بما يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع ، فيزيدونه كذباً كثيراً ، ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين والمتشبهين{[30861]} بهم ، وكانت الآيات التي فرغ منها قد{[30862]} أثبتت أن اتخاذهم غرور ، سبب{[30863]} عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم{[30864]} غير الله لما اتصف به من إيحاء ما خالف إيحاءهم ، ففات القوى{[30865]} في إخباره{[30866]} عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار ، وكعّت عنها نوافذ الأفهام ، فثبتت به{[30867]} نبوته ووضحت رسالته ، فكان اقتراحهم ظاهراً في كونه تعنتاً لأنهم كذبوا بأعظم الآيات : القرآن ، ولم يؤمنوا به ، وطعنوا فيه بما{[30868]} زادهم فضائح ، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم{[30869]} إلى مقترحاتهم{[30870]} ، فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ{[30871]} الإنكار عليهم بقوله{[30872]} : { أفغير الله } أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك ، {[30873]} والفاء فيه{[30874]} للسبب ، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر { أبتغي } أي أطلب حال كون ذلك الغير { حكماً } أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا ؛ ثم استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال : { وهو }{[30875]} أي والحال أنه لا غيره { الذي أنزل إليكم{[30876]} } أي خاصة نعمة علي{[30877]} بالقصد الأول وعليكم بالقصد الثاني{[30878]} { الكتاب } أي الأكمل المعجز{[30879]} ، وهو هذا القرآن الذي هو{[30880]} تبيان لكل شيء { مفصلاً } أي مميزاً فيه الحلال والحرام ، وغير ذلك من جميع الأحكام ، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات ، ولقد اشتد{[30881]} الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه{[30882]} على التفصيل لوقوع العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن التركيب .

ولما كان التقدير : فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون{[30883]} حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله{[30884]} ، عطف عليه قوله : { والذين } ويجوز أن يكون جملة حالية { آتيناهم } أي بعظمتنا التي يعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل { الكتاب } أي المعهود إنزاله من{[30885]} التوراة والإنجيل والزبور { يعلمون } أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية { أنه منزل } .

ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال ، وكان هذا المقام بسياق الإنزال{[30886]} يقتضي الإحسان ، لم يضمر بل قال : { من ربك } أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل { بالحق } أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له{[30887]} من موافقتها{[30888]} في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور ، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية .

ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم ، ويقولون للمشركين : إنهم أهدى سبيلاً ، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه ، أو أن الأمر ملبس{[30889]} عليهم ، سبب عن{[30890]} إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب : { فلا تكونن } أي انف نفياً مؤكداً جداً أن تكون في وقت ما{[30891]} { من الممترين * } أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه ؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان ، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها ؛ وقال أبو حيان : قال مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود ، وإن شئت من أساقفة النصارى ، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت .


[30861]:من ظ، وفي الأصل: المشبهين.
[30862]:سقط من ظ.
[30863]:في ظ: تسبب.
[30864]:في ظ: اتخاذ.
[30865]:من ظ، وفي الأصل: العرى.
[30866]:في ظ: إخفاؤه- كذا.
[30867]:سقط من ظ.
[30868]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[30869]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30870]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30871]:في ظ: بتبليغ.
[30872]:زيد من ظ.
[30873]:في ظ: والعاقبة.
[30874]:في ظ: والعاقبة.
[30875]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30876]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30877]:من ظ، وفي الأصل: إلى.
[30878]:زيد من ظ.
[30879]:في ظ: العجب.
[30880]:سقط من ظ.
[30881]:من ظ، وفي الأصل: استدل.
[30882]:من ظ، وفي الأصل: بالبينة.
[30883]:في ظ: يعلمون.
[30884]:من ظ، وفي الأصل: مثله.
[30885]:زيد من ظ.
[30886]:في ظ: الأزل.
[30887]:في ظ: لهم.
[30888]:في ظ: موافقها.
[30889]:في ظ: تلبس.
[30890]:من ظ، وفي الأصل: على.
[30891]:زيد من ظ.