في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ} (116)

114

وإلى جانب تقرير أن " الحق " هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله الله ، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه ؛ واتباعه لا ينتهي إلا الى الضلال . وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ؛ ويحذر الرسول [ ص ] أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم ؛ مهما بلغت كثرتهم ؛ فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون :

( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . إن يتبعون إلا الظن ، وإن هم إلا يخرصون ) . .

ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية . . لم يكونوا يجعلون الله هو الحكم في أمرهم كله ، ولم يكونوا يجعلون شريعة الله التي في كتابه هي قانونهم كله . ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم ، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى الله وتوجيهه . . ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية ؛ لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ؛ ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا الى الضلال . . كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس . . والظن والحدس لا ينتهيان إلا الى الضلال . . وكذلك حذر الله رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل الله . . هكذا على وجه الإجمال . وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ} (116)

قوله تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } ، عن دين الله ، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة ، وقيل : أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة ، وقالوا : أتأكلون ما تقتلون ، ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل ؟ فقال : { وإن تطع أكثر من في الأرض } أي : وإن تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله .

قوله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } ، يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن وهوىً ، لم يأخذوه عن بصيرة .

قوله تعالى : { وإن هم إلا يخرصون } يكذبون .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ} (116)

ولما أجاب عن شبهات الكفار ، وبين صحة نبوته{[30900]} عليه السلام ، شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال ، والإقبال على ذي{[30901]} الجلال ، فكان التقدير : فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم{[30902]} لك بسلوكه{[30903]} جميع ما وعدك به ، عطف عليه قوله : { وإن تطع } ولما كانت{[30904]} أكثر الأنفس{[30905]} متقيدة{[30906]} بالأكثر ، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال : { أكثر من في الأرض } أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى ، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون { يضلوك عن سبيل الله } أي المستجمع لصفات الكمال ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن } أي لأنهم ما { يتبعون } في أمورهم { إلا الظن } أي{[30907]} كما يظن هؤلاء جهلاً أن آباءهم كانوا على الحق .

ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذباً ، وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن الحازر ، قال : { وإن هم } أي بصميم ضمائرهم { إلا يخرصون * } أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون ، فيكشف الأمر عن أنها كذب{[30908]} ، فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام{[30909]} ونفوذه نفوذ السهام ، أو تخلفه عن التمام ونكوصه كالسيف الكهام ، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل .


[30900]:من ظ، وفي الأصل: نبوة.
[30901]:في ظ: دين.
[30902]:في ظ: سلوكه.
[30903]:في ظ: سلوكه.
[30904]:من ظ، وفي الأصل: أنفس الأكثر.
[30905]:من ظ، وفي الأصل: أنفس الأكثر.
[30906]:في ظ: مقيدة.
[30907]:زيد من ظ.
[30908]:في ظ: أكذب.
[30909]:زيد من ظ.