في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ} (4)

وإن سنة الله لماضية لا تتخلف ؛ وهلاك الأمم مرهون بأجلها الذي قدره الله لها ؛ مترتب على سلوكها الذي تنفذ به سنة الله ومشيئته :

( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) .

فلا يغرنهم تخلف العذاب عنهم فترة من الوقت ، فإنما هي سنة الله تمضي في طريقها المعلوم . ولسوف يعلمون .

وذلك الكتاب المعلوم والأجل المقسوم ، يمنحه الله للقرى والأمم ، لتعمل ، وعلى حسب العمل يكون المصير . فإذا هي آمنت وأحسنت وأصلحت وعدلت مد الله في أجلها ، حتى تنحرف عن هذه الأسس كلها ، ولا تبقى فيها بقية من خير يرجى ، عندئذ تبلغ أجلها ، وينتهي وجودها ، إما نهائيا بالهلاك والدثور ، وإما وقتيا بالضعف والذبول .

ولقد يقال : إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل . وهي مع ذلك قوية ثرية باقية . وهذا وهم . فلا بد من بقية من خير في هذه الأمم . ولو كان هو خير العمارة للأرض ، وخير العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها ، وخير الإصلاح المادي والإحسان المحدود بحدودها . فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها فلا تبقى فيها من الخير بقية . ثم تنتهي حتما إلى المصير المعلوم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ} (4)

ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل ، وكان من المعلوم جداً من أحوالهم الاستعجال بالعذاب تكذيباً واستهزاء ، كان الكلام في قوة أن يقال : فقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر ! عجل لنا ما تتوعدنا به ، وكان هذا غائظاً موجعاً حاملاً على تمني سرعة الإيقاع بهم ، فقيل في الجواب : إن لهم أجلاً بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له ، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل ، لأنه لا يبدل القول لديه ، فليستعدوا فإن الأمر غيب ، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيه العذاب ، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم { وما } جعلنا هذا خاصاً بهم ، بل هو عادتنا ، ما { أهلكنا } أي على ما لنا من العظمة ، وأكد النفي فقال : { من قرية } أي من القرى .

ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به ، وكان تقديره سبحانه وكتُبه من عالم الغيب ، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك ، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو كالجزء من سابقها ، كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه ، والتي بالواو هي زيادة في الخبر السابق ، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في العطف ، فقال : { إلا ولها } أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها { كتاب معلوم * } أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ ، أو يكون التقدير : فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم : هل يودون الإسلام أم لا ؟

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ} (4)

قوله تعالى : { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ( 4 ) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ( 5 ) } ذلك تخويف وتهديد لمشركي مكة الذين آذوا رسول الله وناصبوه الحرب والعداء ، فإن الله يبين لهم مهددا أنه ما من قرية من القرى أو أمة من الأمم التي أهلكناها فيما مضى ( إلا ولها كتاب معلوم ) أي إلا ولها أجل مؤقت أو مدة معلومة ، فلا نهلكهم إلا أن يبلغوها فإذا بلغوا مدَّتهم أهلكناهم ودمرنا عليهم . وهكذا المشركون الظالمون من أهل مكة لا نهلكهم إلا أن يبلغوا أجلهم الموعود المسطور في اللوح المحفوظ .

قوله : ( وما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون ) ( من ) ، زائدة مؤكدة ، والمعنى : أنه لا يتقدم هلاك أمة قبل أن يحين أجلها الذي جعله الله موعدا لهلاكها . ولا يتأخر هلاكها عن الأجل الذي جعله الله لها{[2430]} .


[2430]:- تفسير الرازي جـ 19 ص 155 وتفسير النسفي جـ2 ص 268 وتفسير ابن كثير جـ2 ص 545.