( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً )
أما " المسلمون " فهم الذين يشتمل تصورهم الاعتقادي على الإيمان بالله ورسله جميعا ؛ بلا تفرقة . فكل الرسل عندهم موضع اعتقاد واحترام ؛ وكل الديانات السماوية عندهم حق - ما لم يقع فيها التحريف فلا تكون عندئذ من دين الله ، وإن بقي فيها جانب لم يحرف ، إذ أن الدين وحدة - وهم يتصورون الأمر - كما هو في حقيقته - : إلها واحدا ، ارتضى للناس دينا واحدا ؛ ووضع لحياتهم منهجا واحدا ، وأرسل رسله إلى الناس بهذا الدين الواحد وهذا المنهج الواحد . وموكب الإيمان - في حسهم - موصول ، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - ونسبهم هم إلى هذا الموكب الموصول عريق ؛ وهم حملة هذه الأمانة الكبرى ، وهم ورثة هذا الخير الموصول على طول الطريق المبارك . . لا تفرقة ولا عزلة ولا انفصام . وإليهم وحدهم انتهى ميراث الدين الحق . وليس وراء ما عندهم إلا الباطل والضلال .
وهذا هو " الإسلام " الذي لا يقبل الله غيره من أحد . وهؤلاء هم " المسلمون " الذين يستحقون الأجر من الله على ما عملوا ، ويستحقون منه المغفرة والرحمة فيما قصروا فيه :
( أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ، وكان الله غفورا رحيمًا ) . .
والإسلام إنما يتشدد هذا التشدد في توحيد العقيدة في الله ورسله ، لأن هذا التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن لإلهه - سبحانه - كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظم ، غير متروك للتعدد والتصادم . ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس في هذا الوجود أينما امتد بصره . ولأنه هو التصور الكفيل بضم المؤمنين جميعا في موكب واحد ، يقف أمام صفوف الكفر ، وفي حزب واحد يقف أمام أحزاب الشيطان . . ولكن هذا الصف الواحد ليس هو صف أصحاب الاعتقادات المحرفة - ولو كان لها أصل سماوي - إنما هو صف أصحاب الإيمان الصحيح والعقيدة التي لم يدخلها انحراف . .
ومن ثم كان " الإسلام " هو " الدين " . وكان " المسلمون " " خير أمة أخرجت للناس " المسلمون المعتقدون عقيدة صحيحة ، العاملون بهذه العقيدة . لا كل من ولد في بيت مسلم ، ولا كل من لاك لسانه كلمة الإسلام !
وفي ظل هذا البيان يبدو الذين يفرقون بين الله ورسله ، ويفرقون بين بعض الرسل وبعض ، منقطعين عن موكب الإيمان ، مفرقين للوحدة التي جمعها الله ، منكرين للوحدانية التي يقوم عليها الإيمان بالله .
ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد{[23188]} لهم بيّن ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته بقوله : { والذين ءامنوا بالله } أي الذي{[23189]} له الكمال والجمال { ورسله } ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران ، صرح بما أفهمه فقال : { ولم يفرقوا } أي في اعتقادهم { بين أحد منهم } أي لم يجعلوا أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء ، والتفرقة تقتضي شيئين فصاعداً ، و " أحد{[23190]} " عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما{[23191]} ، فلذلك صح التعبير به بمعنى : بين اثنين أو جماعة ، وكأنه اختير{[23192]} للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان الإيمان{[23193]} بالبعض دون البعض كفراً{[23194]} { أولئك } أي العالو الرتبة في رتب{[23195]} السعادة{[23196]} .
ولما كان المراد تأكيد وعدهم ، وكان المشاهد فيه غالباً التأخر قال : { سوف نؤتيهم{[23197]} } أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر ، فالمراد تحقيقه ، لا تحقيق تأخره ، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفاً وأشد تنفيساً ، لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد ، الشامل لمن لم يكن له عمل ، ولذا{[23198]} أضاف الأجور إليهم ، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى { أجورهم } أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم .
ولما كان الإنسان محل النقصان قال : { وكان الله } أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه{[23199]} ما له من صفات الكمال { غفوراً } لما يريد من الزلات { رحيماً * } أي بمن يريد إسعادة بالجنات .
وقوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) المراد بذلك أمة محمد ( ص ) ، فقد آمنوا بالله خالقا عظيما مبدعا ، إلها ليس كمثله شيء وليس له من خلقه نديد أو شريك . وأمنوا كذلك بالنبيين والمرسلين جميعا دون استثناء ، يستوي في ذلك كليم الله موسى ، وهو من الرسل الأعاظم في بني إسرائيل ، ثم المسيح بن مريم كلمة الله ألقاها إلى العذراء البتول وحجة الله على الناس في هذه الدنيا ويوم الدين . لقد آمن المسلمون إيمانهم ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله فلم يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض مثلما فعل أصحاب الديانات السالفة ، ولكنهم آمنوا بهم جميعا بغير تفريق .
هذه هي أمة الإسلام ، أمة النبي الخاتم محمد ( ص ) ، وهي خير الأمم بحق وجدارة لما يتجلى فيها من خصائص كبرى لم تتيسر لغيرها من الأمم من الغابرين . وهي خصائص تتبدى في اكتمال دينها بما يتسم من اتساع ومرونة وشمول يتناول أطراف الحياة كلها ، ويغطي حاجات الإنسان جميعها سواء في ذلك حاجات النفس أو البدن أو العقل أو الروح .
هذه هي أمة الإسلام التي تقوم على العقيدة المتينة المستنيرة ، وعلى الفكر العميق السليم والتصور السوي المستقيم بعيدا عن الهوى والتعصب الذميم فلا جرم أن تكون رائدة الأمم لتقود قوافل البشر عبر الأدهار والسنين إلى السعادة والسلامة والرخاء . ولا جرم أن يثيب الله هذه الأمة خير الثواب ، وأن يغفر لها الذنوب والخطايا برحمة منه وفضل{[850]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.