في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (65)

51

وفي نهاية الدرس تجيء القاعدة الإيمانية الكبرى - قاعدة أن إقامة دين الله في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء . لا افتراق بين دين ودنيا ، ولا افتراق بين دنيا وآخرة . فهو منهج واحد للدنيا وللآخرة ؛ للدنيا وللدين . . تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة بمناسبة الحديث عن انحراف أهل الكتاب عن دين الله ؛ وأكلهم السحت ؛ وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الأرض . . واتباع دين الله كان أجدى عليهم في الأرض والسماء ، وفي الدنيا والآخرة لو أنهم اختاروا الطريق :

( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ؛ ولأدخلناهم جنات النعيم . ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ، وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم . منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) . .

إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي ، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية . ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل ، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم ؛ والعقل البشري ، والموازين البشرية ، والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج ، بإزاء هذا الأمر الخطير . .

إن الله - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (65)

ولما أثبت بقوله { وليزيدن } أنهم كانوا كفرة{[26817]} قبل إتيان هذا الرسول عليه السلام ، وكرر ما أعده{[26818]} لهم من الخزي الدائم على{[26819]} نحو ما أخبرهم به كتابهم ، وعظهم ورجّاهم سبحانه استعطافاً لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفاً على ما تقديره : فلو أنهم كفوا عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت صغائرهم فلم تكن{[26820]} لهم سيئات : { ولو أن } ولما كان الضلال من العالم أقبح ، قال : { أهل الكتاب } أي{[26821]} الفريقين منهم .

ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال ، قدمه إعلاماً بأنه لا نجاة{[26822]} لأحد إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم . هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية به{[26823]} لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال : { آمنوا } أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى { واتقوا } أي ما هددوا به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام{[26824]} في آخر كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام{[26825]} والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه فقال : جاء ربنا من سيناء ؛ وشرق{[26826]} من ساعير ، وتبدّى من جبال فاران ، فأضاف الرب إليهم ، وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة ، لا نزاع لهم في ذلك - تبدياً وظهوراً أي لاخفاء به بوجه ، ولا ظهور أتم منه { لكفّرنا } وأشار إلى{[26827]} عظيم جرأتهم{[26828]} بمظهر العظمة { عنهم سيئاتهم } أي التي ارتكبوها قبل مجيئه وهي{[26829]} مما يسوء ، أي يشتد تنكر النفس له{[26830]} أو تكرّهها ، وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة فقال : { ولأدخلناهم } أي بعد الموت { جنات النعيم * } أي بدل ما هم فيه من هذا الشقاء الذي لا يدانيه شقاء .


[26817]:في ظ: كغيره.
[26818]:في ظ: اعد.
[26819]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[26820]:في ظ: فلم يكن.
[26821]:سقط من ظ.
[26822]:في ظ: يخلو- كذا.
[26823]:سقط من ظ.
[26824]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26825]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26826]:في ظ: سرق.
[26827]:في ظ: جميع جرائمهم.
[26828]:في ظ: جميع جرائمهم.
[26829]:في ظ: هو.
[26830]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (65)

قوله تعالى : { ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ( 65 ) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } أهل الكتاب هم اليهود والنصارى . والكتاب اسم جنس يشمل التوراة والإنجيل أي لو أن هؤلاء – بالرغم مما فعلوه من كبائر الجنايات والخطايا – لو أنهم آمنوا الإيمان الصحيح بما يندرج في ذلك إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم { واتقوا } أي اجتنبوا ما حرم الله وما تعدد من معاصيهم الكثيرة كمخالفة كتبهم { لكفرنا عنهم سيئاتهم } أي لغفر الله لهم ما اقترفوه من سيئات وإن كانت في غاية الفظاعة والنكر .

قوله : { ولأدخلناهم جنات النعيم } أي لكانوا من الفائزين بخير ما يطرأ على قلب بشر من الخيرات الحسان والبركات العظام في جنات الخلد .