في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (194)

172

( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ، سواء عليكم ادعوتموهم أم أنتم صامتون . إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم . فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين . ألهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها ؟ أم لهم أعين يبصرون بها ؟ أم لهم آذان يسمعون بها ؟ )

لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة - كما أسلفنا - سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحله ! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل ؛ وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (194)

ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا سبيله أخزى الخزي وأقبح العار ، وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به{[34340]} - معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم وفي خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل ؛ كرر تبكيتهم باتباعهم في أسلوب آخر أوضح مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على المعايب ملجىء إلى الاعتراف أو التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكداً{[34341]} : { إن الذين تدعون } أي أيها المشركون دعاء عبادة ملازمين لذلك ، أو أنه أطلق الدعاء على العبادة إشارة إلى أنه لا تصح عبادة من ليس فيه قابلية أن يدعى{[34342]} ، والحاصل أن الدعاء يلازم المعبود .

ولما كان دعاؤهم لهم إنما هو على سبيل الإشراك{[34343]} ، قال مشيراً إلى سفول رتبتهم بإثبات الجار : { من دون الله } أي الذي له صفات الكمال والعظمة والجلال { عباد{[34344]} أمثالكم } أي في العجز عن كل شيء لا سيما عما{[34345]} وقع به التحدي من {[34346]}معارضة القرآن وغيرها ، وأنتم تزيدون عليها بالحياة والعقل ، والمعبود لا يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان دونه ؛ ولما كانوا لا يسلمون أنهم أمثالهم ، سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى المثلية بل الدونية فقال{[34347]} : { فادعوهم } أي إلى شيء من الأشياء .

ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف{[34348]} ، أشار إلى ذلك بالربط بالفاء فقال : { فليستجيبوا{[34349]} لكم } أي يوجدوا لكم إجابة بينة في الإتيان بسورة تماثل شيئاً من القرآن وفي شيء من المنافع .

ولما كان المقام محتاجاً إلى مزيد توبيخ وإلهاب ، قدم منه ما رأيت ، ثم زاد في الإلهاب فقال : { إن كنتم } أي جبلة وطبعاً { صادقين* } أي في دعوى أنهم آلهة ، فإن رتبة الإله تقتضي ذلك ، وقرأ{[34350]} سعيد بن جبير { إن } خفيفة و { عباداً{[34351]} أمثالكم بنصب الدال واللام ، واتفق المفسرون على تخريجها على أن " إن " هي النافية أعملت عما " ما " الحجازية ، فرفعت الاسم ونصبت الخبر ، وإعمالها هذا العمل فيه خلاف ، أجازه الكسائي وأكثر الكوفيين ، ومن البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني ، ومنع منه الفراء وأكثر البصريين ، واختلف النقل{[34352]} عن سيبويه والمبرد ، والصحيح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في النظم والنثر - ذكر ذلك كله أبو حيان{[34353]} وذكر أنه أشبع الكلام فيه في شرح التسهيل ، واعترض على هذا التخريج بأنه يلزم منه منافاتها للقراءة المشهورة ، وإنما يسلم له ذلك لو توارد النفي والإثبات على شيء واحد ، وليس الأمر هنا كذلك ، فالإثبات لمماثلتها لهم في مطلق العجز ، والنفي لمساواتها{[34354]} لهم فيه لزيادتهم عنها بالبطش ونحوه ، أو يكون الأمر - كما قال الزمخشري - أن الإثبات على سبيل التنزل والنفي على الحقيقة .


[34340]:- زيد من ظ.
[34341]:- سقط من ظ.
[34342]:- من ظ، وفي الأصل: يدعهما.
[34343]:- في ظ: الاشتراك.
[34344]:- من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: عبادا.
[34345]:- في ظ: كما.
[34346]:- من ظ، وفي الأصل: عن.
[34347]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[34348]:- في ظ: تخالف.
[34349]:- من ظ والقرآن الكريم،وفي الأصل: فيستجيبوا.
[34350]:- من ظ، وفي الأصل: قراءة.
[34351]:- في ظ: عباد.
[34352]:- سقط من ظ.
[34353]:- راجع البحر المحيط 4/ 444.
[34354]:- من ظ، وفي الأصل: لمناواتها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (194)

قوله : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } ذلك توبيخ بالغ للمشركين الضالين السفهاء الذين يعبدون من دون الله آلهة صماء كالأصنام التي لا تسعى ولا تبطش ولا تبصر ولا تسمع . فهم أمثالكم في أنهم عباد مخلوقون مملوكون للخالق . بل إنكم أنتم أفضل منهم في كونكم تنطقون وتسمعون وتعقلون . فأنى لمثل هؤلاء الأشباح الجوامد أن يكونوا معبودين لكم ؟ !

إن لكم السفه بالغ ، والحماقة المسفة المغالية التي تنحدر بالتعساء السخفاء إلى سحيق العمه والخبل ! ! كيف بكم وأنتم السامعون المبصرون الناطقون الواعون أن تذعنوا بالخضوع والعبادة لهؤلاء المخاليق وهم ليسوا إلا تماثيل مصفوفة لا تعي ولا تتحرك ؛ إذ ليس لهم أرجل يمشون بها ، ولا أيد يبطشون بها ، ولا أعين يبصرون ، بها ولا آذان يسمعون بها ، فكيف يليق بكم وأنتم الواعون المبصرون العقلاء أن تدنوا لهم بالاستكانة والتذلل . وذلك تأويل قوله : { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أن لهم آذان يسمعون بها } .

قوله : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } كيدون ، من الكيد ، وهو المكر والخبث{[1603]} . أمر الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يتحدى المشركين بدعوة شركائهم الأصنام ليكيدوا له جميعا بما شاءوا من وجوه الكيد وهو الخبث والخداع { فلا تنظرون } أي لا تمهلون في الكيد لي ، ولا تؤخروا عني إنزال الضرر بي بسبب أصنامكم وشركائكم . وذلك أقصى درجات التحدي لهم والتعجيز لأصنامهم بما يكشف في وضوح عن فساد تصورهم وبطلان ما يعتقدون . وإن يعتقدون إلا الضلال والباطل والسفه{[1604]} .


[1603]:القاموس المحيط ص 403.
[1604]:فتح القدير جـ 2 ص 278 وتفسير البغوي جـ 2 ص 222.