في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (70)

59

ولكن الفطرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر . . وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم ، واختصروا الجدل ، واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح ، ويهزأ بالإنذار :

( قالوا : أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) . . لكأنما كان يدعوهم إلى أمر منكر لا يطيقون الاستماع إليه ، ولا يصبرون على النظر فيه :

( أجئتنا لنعبد الله وحده ، ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ ) ؛

إنه مشهد بائس لاستعباد الواقع المألوف للقلوب والعقول . هذا الاستعباد الذي يسلب الإنسان خصائص الإنسان الأصيلة : حرية التدبر والنظر ، وحرية التفكير والاعتقاد . ويدعه عبداً للعادة والتقليد ، وعبداً للعرف والمألوف ، وعبداً لما تفرضه عليه أهواؤه وأهواء العبيد من أمثاله ، ويغلق عليه كل باب للمعرفة وكل نافذة للنور . .

وهكذا استعجل القوم العذاب فراراً من مواجهة الحق ، بل فراراً من تدبر تفاهة الباطل الذي هم له عبيد ؛ وقالوا لنبيهم الناصح الأمين :

( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (70)

ولما كان هذا منه موجباً ولا بد لكل سامع منصف من{[32540]} المبادرة إلى الإذعان لهذه الحجة القطعية ، وهي استحقاقه للإفراد بالعبادة للتفرد بالإنعام ، ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم ، فأجيب بقوله : { قالوا } منكرين عليه معتمدين على محض التقليد { أجئتنا } أي من عند من ادعيت أنك رسوله { لنعبد الله } أي الملك الأعظم { وحده } ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار ، أتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا : { ونذر } أي نترك على غير صفة حسنة { ما كان يعبد آباؤنا } أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب " كان " وصيغة المضارع - مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم .

ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نطيعك ، وكان قد لوح لهم بالتذكر{[32541]} بقوم نوح وقوله { أفلا{[32542]} تتقون } إلى الأخذ إن أصروا ، سببوا عن ذلك قولهم : { فأتنا } أي عاجلاً { بما تعدنا } أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب بقولهم : { إن كنت من الصادقين* } وتسميتهم للانذار بالعذاب وعداً من باب الاستهزاء .


[32540]:-زيد من ظ
[32541]:- في ظ: بالذكر.
[32542]:- من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: إلا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (70)

قوله تعالى : { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين 70 قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين 71 فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا وما كانوا مؤمنين } .

هكذا كان جواب قوم عاد . لقد أجاب هؤلاء السفهاء عما دعاهم إليه نبيهم هود من التصديق والتوحيد والطاعة لله دون سواه ، وعما ذكرهم به من آلاء الله الكبيرة عليهم –أجابوه في استنكار وسفاهة بما يكشف عن قلوبهم الغلف وطبيعتهم الكزة التي تنفر من الحق وتستمرئ التقليد والضلال والباطل { أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } الآية . يعني أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين لنعبد الله وحده دون غيره من الأنداد فندين له بالعطاء ونهجر عبادة الآلهة الأخرى التي ألفينا آباءنا يعبدونها من قبل . فما نحن بمؤمنين لك ولا مصدقين ما جئت به فأتنا بما تعدنا من العقاب والعذاب على عدم إخلاص التوحيد لله وعبادة ما دونه من الأوثان إن كنت صادقا فيما تقول .