( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون . الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) . .
ولفظ ( الدواب ) وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض ، فيشمل الأناسي فيما يشمل ، إلا أنه - كما أسلفنا - يلقي ظلاً خاصاً حين يطلق على الآدميين . . ظل البهيمة . . ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض ! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان ! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون الله في مرة !
وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص . . قيل : إنهم بنو قريظة ، وقيل : إنهم بنو النضير . وقيل : إنهم بنو قينقاع . وقيل : إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين . . والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعاً . فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله [ ص ] طائفة طائفة ، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضاً . . والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها ، إلى حين نزول هذه الآيات . ولكن الحكم الصادر فيها ، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة ، ويقرر صفة ثابتة . .
فهؤلاء الذين كفروا ولّجوا في الكفر ( فهم لا يؤمنون ) . . ففسدت بذلك فطرتهم ، وباتوا بذلك شر الدواب عند الله . هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه ، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى - خصيصة التقيد بالعهد - وانطلقوا من كل قيد ، كما تنطلق البهيمة ، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها ، وهؤلاء لا ضابط لهم . فهم بذلك شر الدواب عند الله !
ثم علل اتصافهم بالظلم أو استأنف بياناً له بقوله : { إن شر الدواب } أي ظلموا لأنهم كفروا بآيات ربهم الذي تفرد بالإحسان إليهم وشر الدواب { عند الله } أي في حكم{[35172]} الحكم العدل الذي له الأمر كله وفي علمه { الذين كفروا } أي منهم ومن غيرهم ، أي حكم عليهم بلزوم الكفر لما ركب فيهم من فساد الأمزجة لعدم الملاءمة للخير ، فكانوا بذلك قد نزلوا عن رتبة الإنسان إلى رتبة مطلق الحيوان ، ثم إلى دركة الحشرات والديدان بل الجعلان ، لأن شر الناس الكفار ، وشر الكفار المصرون منهم ، وشر المصرين الناكثون للعهود { فهم } أي بسبب ذلك { لا يؤمنون* } أي لا يتجدد منهم إيمان يستمرون عليه لما سبق من علم الله فيهم ، فلم ينتفعوا بما أتاهم من صفة الربوبية فمحقتهم صفة الإلهية ، ولعله إنما خص آل فرعون تذكيراً - لأكثر من كان يقول { غرَّ هؤلاء دينهم } وهم - اليهود - بأنهم كانوا بالنسبة إلى فرعون وآله أضعف من الصحابة رضوان الله عليهم بالنسبة إلى قريش وأتباعهم ، فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد دانوا لهم بذل العبيد لمواليهم بل أعظم ، ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم{[35173]} لما كان الله معهم ، وإعلاماً لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم فيه من القلة والذلة ، فقد جمعوا من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم ،
قوله تعالى : { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون 55 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون 56 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون } أي أن شر ما دب على الأرض منا الكائنات والبرية عند الله أولئك الذين كفروا بربهم ؛ فجحدوا وحدانيته ، وكذبوا رسله المبعوثين لهم هداة ورحمة ، ورفضوا منهج الله الكريم الهادي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.