ولكن الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة ؛ فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها ؛ وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها فطرتها وتؤيدها تجاربها ؛ وإلا إذا أعدها هي للحركة الواقعية التي تحقق هذه الغايات العلوية :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم . وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) .
فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد ؛ والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها ؛ ويخص ( رباط الخيل )لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة . . ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيجد مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا - والمهم هو عموم التوجيه :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) . .
إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في " الأرض " لتحرير " الإنسان " . . وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة : أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها ؛ فلا يصدوا عنها ، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها . . والأمر الثاني : أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على " دار الإسلام " التي تحميها تلك القوة . . والأمر الثالث : أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير " الإنسان " كله في " الأرض " كلها . . والأمر الرابع : أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية ، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ؛ ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ؛ ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه . .
إن الإسلام ليس نظاماً لاهوتياً يتحقق بمجرد استقراره عقيدة في القلوب ، وتنظيماً للشعائر ، ثم تنتهي مهمته ! إن الإسلام منهج عملي واقعي للحياة ؛ يواجه مناهج أخرى تقوم عليها سلطات وتقف وراءها قوى مادية . فلا مفر للإسلام - لإقرار منهجه الرباني - من تحطيم تلك القوى المادية ، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخرى ، وتقاوم المنهج الرباني . .
وينبغي للمسلم ألا يتمتم ولا يجمجم وهو يعلن هذه الحقيقة الكبيرة . . ينبغي ألا يستشعر الخجل من طبيعة منهجه الرباني . ينبغي أن يذكر أن الإسلام حين ينطلق في الأرض إنما ينطلق لإعلان تحرير الإنسان بتقرير ألوهية الله وحده وتحطيم ألوهية العبيد ! إنه لا ينطلق بمنهج من صنع البشر ؛ ولا لتقرير سلطان زعيم ، أو دولة ، أو طبقة ، أو جنس ! إنه لا ينطلق لاسترقاق العبيد ليفلحوا مزارع الأشراف كالرومان ؛ ولا لاستغلال الأسواق والخامات كالرأسمالية الغربية ؛ ولا لفرض مذهب بشري من صنع بشر جاهل قاصر كالشيوعية وما إليها من المذاهب البشرية . . إنما ينطلق بمنهج من صنع الله العليم الحكيم الخبير البصير ، ولتقرير ألوهية الله وحده وسلطانه لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعبيد . .
هذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يدركها المهزومون الذين يقفون بالدين موقف الدفاع ؛ وهم يتمتمون ويجمجمون للاعتذار عن المد الإسلامي ! والجهاد الإسلامي .
ويحسن أن نعرف حدود التكليف بإعداد القوة . فالنص يقول :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) . .
فهي حدود الطاقة إلى أقصاها . بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها . كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة :
( ترهبون به عدو الله وعدوكم ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) . .
فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض . الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ؛ ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم ، أو لم يجهروا لهم بالعداوة ، واللّه يعلم سرائرهم وحقائقهم . وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم . والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء ، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض ؛ ولتكون كلمة اللّه هي العليا ، وليكون الدين كله للّه .
ولما كان إعداد العدة يقتضي أموالا ، وكان النظام الإسلامي كله يقوم على أساس التكافل ، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله :
( وما تنفقوا من شيء - في سبيل الله - يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) . .
وهكذا يجرد الإسلام الجهاد والنفقة في سبيله ، من كل غاية أرضية ، ومن كل دافع شخصي ؛ ومن كل شعور قومي أو طبقي ، ليتمحض خالصا للّه " في سبيل اللّه " لتحقيق كلمة اللّه ، ابتغاء رضوان اللّه .
ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه - منذ الوهلة الاولى - كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول . وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق . وكل حرب تقوم للقهر والإذلال . وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن ، أو قوم على قوم ، أو جنس على جنس ، أو طبقة على طبقة . . ويستبقي نوعاً واحداً من الحركة . . حركة الجهاد في سبيل الله . . والله - سبحانه - لا يريد تسويد جنس ولا وطن ولا قوم ولا طبقة ولا فرد ولا شعب . إنما يريد أن تسود ألوهيته وسلطانه وحاكميته . وهو غني عن العالمين . ولكن سيادة ألوهيته هي وحدها التي تكفل الخير والبركة والحرية والكرامة للعالمين .
ولما كان هذا ربما أدى إلى ترك المناصبة والمحاربة والمغالبة اعتماداً على الوعد الصادق المؤيد{[35215]} بما وقع لهم في بدر من عظيم النصر مع نقص دعوى العِدة والعُدة ، أتبعه ما يبين أن اللازم ربط الأسباب بمسبباتها ، وليتبين{[35216]} الصادق في دعوى الإيمان من غيره فقال : { وأعدوا لهم } أي للأعداء { ما استطعتم } أي دخل في طاعتكم وكان بقوة جهدكم تحت مقدوركم وطاقتكم { من قوة } أيّ قوة كانت ، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي إشارة إلى أنه أعظم عدده على نحو " الحج عرفة{[35217]} " وفي أمرهم بقوله { ومن رباط الخيل } إيماء إلى باب من الامتنان بالنصر في بدر لأنهم{[35218]} لم يكن معهم فيه غير فرسين ، والرباط هو الخيل التي تربط في سبيل الله الخمس منها فما فوقها ، وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة إلى عظيم غنائها ، والرباط أيضاً ملازمة تغر العدو وربط الخيل به إعداداً للعدو ؛ ثم أجاب من كأنه قال : لم نفعل ذلك وما النصر إلا بيدك ؟ بقوله : { ترهبون } أي تخافون تخويفاً عظيماً باهراً يؤدي إلى الهرب على ما أجريت من العوائد { به } أي بذلك الذي أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط { عدو الله } أي الذي له العظمة كلها لأنه الملك الأعلى { وعدوكم } أي المجاهدين ، والأليق بقوله - : { وآخرين } أي وترهبون بذلك آخرين { من دونهم } - أي يحمل على المنافقين لوصفهم بقوله : { لا تعلمونهم } كما قال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون{[35219]} ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم }[ التوبة : 101 ] ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في العداوة مثلهم{[35220]} ، وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة ، وأما المنافقون فإنهم مدعون بإظهار الإسلام أنهم{[35221]} أولياء لا أعداء{[35222]} { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { يعلمهم } أي فهو {[35223]}يكفيكم ما{[35224]} يظن من أمرهم ، وليس عليكم إلا الجهد بحسب ما تعلمون ، والآية بالنسبة إلى ما{[35225]} تقدمها من باب " اعقلها وتوكل{[35226]} " والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم منكم{[35227]} فإنهم في قبضتنا أينما توجهوا وحيثما حلوا فسوف نهلكهم{[35228]} ولا يعجزوننا ، ومع ذلك فلا يحملنكم الاتكال على قوتنا{[35229]} على ترك أسباب مغالبتهم بما أعطيناكم من القوى بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما يتعلق بالرمي من القوة وبالخيل من الطعن والضرب والفروسية لنلقي بذلك رعبكم في قلوب عدوكم القريب والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه .
ولما كان أغلب معاني هذه الأية الإنفاق ، لأن مبنى إعداد القوة عليه{[35230]} ، رغب فيه بقوله : { وما تنفقوا من شيء } أي من الأشياء وإن قلَّ { في سبيل الله } أي{[35231]} طريق من له صفات الكمال من{[35232]} الجهاد وغيره { يوف إليكم } أي أجره كاملاً في الدنيا والآخرة أوفى ما يكون مضاعفاً أحوج ما تكونون{[35233]} إليه { وأنتم لا } .
ولما كان المخوف مطلق النقص ، بنى للمفعول قوله{[35234]} : { تظلمون* } أي لا{[35235]} تنقصون شيئاً منه ، وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية .
قوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أمر الله بالإعداد للحرب بمختلف آلاتها ووسائلها من أجل أن يقاتل بها المسلمون أعداءهم من الكافرين على اختلاف مللهم الضالة . على أن الأمر بالإعداد إنما يكون في حدود الطاقة المقدورة للمسلمين ؛ لأنه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وهو هنا قوله : { ما استطعتم من قوة } وهذا يدل على وجوب الإعداد بأقصى ما يستطيعه الإنسان . فإن أعد ما دون طاقته كان مقصرا ولم تبرأ ذمته من فريضة الإعداد للجهاد .
أما القوة المبينة في الآية : فغنها تفيد بإطلاقها كل وجوه الآلات للحرب ، وكل ما يلزم لقتال الظالمين من وسائل ومعدات . على أن آلات الحرب على اختلاف صورها وضروبها تقوم في الأغلب على فن الرمي كيفما كان شكله أو كيفيته . سواء في ذلك الرمي البدائي القديم بالقوس ، أو الرمي المتطور في الزمن الراهن بالقذائف النارية المندفعة بقوتها الهائلة سواء في البر أو البحر أو الجو ؛ فغن ذلك كله أساسه الرمي حيث القوة الدافعة التي تقذف بالأداة لتدمير الهدف المراد .
وفي التركيز على القتال بالرمي أخرج مسلم عن أبي علي ثمامة بن شفي أخي عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : { واعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ) .
قوله : { ومن رباط الخيل } الرباط ، اسم للخيل التي تربط في سبيل الله . وقيل : الرابط بمعنى المرابطة وهي ملازمة ثغر العدو . وقيل : الرابط ، الخيل الخمس فما فوقها{[1684]} .
وفي قوله : { ومن قوة من رباط الخيل } ما يثير البهر والإعجاب لكمال هذا الكتاب الحكيم الذي يتسم بسمو المستوى سواء في جمال النظم ، أو كمال المغنى ، يستبين ذلك جليا إذا أدركنا شمول المراد بالإعداد سواء كان ذلك في الأزمنة الفائتة التي يناسبها الإعداد برباط الخيل . فقد كانت الخيل العنصر الأهم في عناصر الحرب وآلاتها في الزمن السابق ، وكان المتقاتلون إنما يعولون عليها أبلغ تعويل فيما تقتضيه طبيعة الظروف الماضية . لكن إطلاق القوة في الآية هنا يعم كل وجوه الآلات للحرب . بما يشمل الوسائل القتالية المتطورة تطورا مذهلا في عصرنا الراهن . وهذا هو شأن القرآن في علو مستواه ؛ إذ يخاطب أذهان البشرية وآفاقها في كل زمان حتى يظل القرآن إلى أبد سابقا للأذهان والآفاق ، محيطا بالأدهار والأزمنة جميعها ، وذلكم الإعجاز .
قوله : { ترهبون به عدو الله وعدوكم } أي تخيفون بقوة السلاح والمرابطة أعداء الله وأعداءكم ؛ فهم مشتركون في العداوة . فمن عادي دين الله وأهله من المسلمين لا جرم أنه معاد لله سبحانه . وهؤلاء كثيرون منتشرون في كل بقاع الأرض التي يعيث فيها الظالمون الجناة أبشع صنوف الإفساد والتخريب . وهم بعدوانهم وطغيانهم ومجاوزتهم كل حسبان ومعقول لا تجدي معهم المجادلات والمحاورات القائمة على المنطق الهادئ المعقول . ولا تردعهم أساليب الموادعة واللين . إنما يردعهم التخويف بقوة السلاح على اختلاف أنواعه وضروبه ، وذلك هو ديدن الأشرار الظالمين من شياطين البشر الذين لا يصيخون إلا لما يروعهم ترويعا ويرهبهم ترهيبا . وذلك بوسائل القتال الفتاكة التي تثخن هؤلاء المجرمين إثخانا يفضي إلى خزيهم وإخراسهم .
قوله : { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } والمراد بالذين من دونهم موضع خلاف ؛ فقد يقل : إنهم المنافقون . وقيل : إنهم فارس والروم . وقيل : اليهود . والراجح أن المراد عموم من لا تعرف عداوته من أصناف البشر المحفل بالحقد من الذين تتقاطر قلوبهم كراهية للإسلام والمسلمين ؛ فهم على مر الزمن يتربصون بهم المهالك والدوائر ويكيدون لهم المكائد والمؤامرات في كل الأحيان . وهذا ديدن الخصوم المبغضين للمسلمين منذ أن أشرقت شمس الإسلام على الدنيا حتى يومنا هذا والأعداء اللد يعقدون المؤتمرات والمؤامرات تدمير هذا الدين القويم وأهله .
قوله : { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف لكم } أي ما أنفقتم من مال في شراء أسباب الجهاد وآلة الحرب أو غير ذلك من النفقات التي تقتضيها مصالح العساكر والجند من الطعام واللباس والدواء ، فإن ذلك كله يخلفه الله على عباده المنفقين في الدنيا مع ما يدخره لهم في الآخرة من عظيم الأجر والتكريم والرضوان .
قوله : { وأنتم لا تظلمون } أي لا يضيع الله أجر من أنفق منكم . بل إن الله يخلفكم من جزيل العطاء والمثوبة عوضا عما أنفقتموه .