في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (78)

( ألم يعلموا أن اللّه يعلم سرهم ونجواهم وأن اللّه علام الغيوب )?

ألم يعلموا - وهم يدعون الإيمان - أن اللّه مطلع على السرائر ، عالم بما يدور بينهم من أحاديث ، يحسبونها سراً بينهم لأنهم يتناجون بها في خفية عن الناس ? وأن اللّه يعلم الغيب الخافي المستور ، فيعلم حقيقة النوايا في الصدور ? ولقد كان من مقتضي علمهم بهذا ، ألا يستخفوا عن اللّه بنية ، وألا تحدثهم نفوسهم بإخلاف ما عاهدوا اللّه عليه ، والكذب عليه في إعطاء العهود .

وقد وردت روايات عن سبب نزول الآيات الثلاث ، نذكر منها رواية عن ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معان - بإسناده - عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول اللّه - [ ص ] - ادع اللّه أن يرزقني مالاً . قال : فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " قال : ثم قال مرة أخرى . فقال : " أما ترضى أن تكون مثل نبي اللّه فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت " قال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت اللّه فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه . فقال رسول اللّه - [ ص ] - " اللهم ارزق ثعلبة مالاً " قال : فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدود ، فضاقت المدينة ، فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ماسواهما ، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة ، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار . فقال رسول اللّه - [ ص ] - " ما فعل ثعلبة ? " فقالوا يا رسول اللّه اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة ، فأخبروه بأمره ، فقال : " يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! " وأنزل اللّه جل ثناؤه : ( خذ من أموالهم صدقة ) . . الآية . . ونزلت فرائض الصدقة ، فبعث رسول اللّه - [ ص ] - رجلينعلى الصدقة من المسلمين . رجلاً من جهينة ورجلاً من سليم ، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين ؛ وقال لهما : " مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما " . فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول اللّه - [ ص ] - فقال : ما هذه إلا جزية . ما هذه إلا أخت الجزية . ما أدري ما هذا ? انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ . وسمع بهما السلمي ، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها ، فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ هذا منك . فقال : بل فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي له ، فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات . ثم رجعا إلى ثعلبة فقال : أروني كتابكما فقرأه فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية . انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى أتيا النبي - [ ص ] - فلما رآهما قال : " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمي بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي . فأنزل اللّه عز وجل ( ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصدقن . . . )الآية . وعند رسول اللّه - [ ص ] - رجل من أقارب ثعلبة فسمع بذلك ، فخرج حتى أتاه ، فقال : ويحك يا ثعلبة ! أنزل اللّه فيك كذا وكذا ؛ فخرج ثعلبة حتى أتى النبي - [ ص ] - فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : " إن اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك " فجعل يحثو على رأسه التراب ، فقال له رسول اللّه - [ ص ] - " هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني " فلما أبى رسول الله [ ص ] أن يقبض صدقته رجع إلى منزله ؛ فقبض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلم - ولم يقبل منه شيئاً . ثم أتى أبا بكر - رضي اللّه عنه - حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول اللّه وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي ؛ فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول اللّه - [ ص ] - وأبى أن يقبلها ؛ فقبض أبو بكر ولم يقبلها . فلما ولي عمر - رضي اللّه عنه - أتاه فقال : يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي ، فقال : لم يقبلها رسول اللّه - [ ص ] - ولا أبو بكر ، وأنا أقبلها منك ? فقبض ولم يقبلها . فلما ولي عثمان - رضي اللّه عنه - أتاه فقال : اقبل صدقتي ، فقال : لم يقبلها رسول اللّه - [ ص ] - ولا أبو بكر ولا عمر ، وأنا أقبلها منك ? فلم يقبلها منه . فهلك ثعلبة في خلافة عثمان . .

وسواء كانت هذه الواقعة مصاحبة لنزول الآيات أو كان غيرها ، فإن النص عام ، وهو يصور حالة عامة ، ويرسم نموذجاً مكرراً للنفوس التي لم تستيقن ، ولم يبلغ الإيمان فيها أن يتمكن . وإذا كانت الرواية صحيحة في ربط الحادثة بنزول الآيات ، فإن علم الرسول - [ ص ] - أن نقض العهد والكذب على اللّه قد أورث المخلفين نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ، يكون هو الذي منعه من قبول صدقة ثعلبة وتوبته التي ظهر بها ، ولم يعامله بالظاهر حسب الشريعة . إنما عامله بعلمه بحاله الذي لا شك فيه ، لأنه إخبار من العليم الخبير . وكان تصرفه - [ ص ] - تصرفاً تأديبياً برد صدقته . مع عدم اعتباره مرتداً فيؤخذ بعقوبة الردة ولا مسلماً فتقبل منه زكاته . ولا يعني هذا إسقاط الزكاة عن المنافقين شريعة . إن الشريعة تأخذ الناس بظاهرهم . فيما ليس فيه علم يقيني ، كالذي كان في هذا الحادث الخاص ، فلا يقاس عليه .

غير أن رواية الحادث تكشف لنا كيف كان المسلمون الأوائل ينظرون إلى الزكاة المفروضة . إنهم كانوا يحتسبونها نعمة عليهم ، من يحرم أداءها أو يحرم قبولها منه ، فهو الخاسر الذي يستحق الترحم مما أصابه من رفض زكاته ! مدركين لحقيقة المعنى الكامن في قوله تعالى :

( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) . .

فكانت لهم غنما ينالونه لا غرماً يحملونه . وهذا هو الفارق بين فريضة تؤدى ابتغاء رضوان اللّه وضريبة تدفع لأن القانون يحتمها ويعاقب عليها الناس !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (78)

ولما كانت المعاهدة سبباً للإغناء{[36927]} في الظاهر ، وكان ذلك ربما كان مظنة لأن يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه ، وكان الحكم هنا وارداً على القلب بالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم القدرة لصاحبه على التخلص منه ، كان ذلك أدل دليل على أنه تعالى أعلم بما في كل قلب من صاحب ذلك القلب ، فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك والتوبيخ له والتقريع فقال : { ألم يعلموا أن الله } أي الذي له صفات الكمال { يعلم سرهم } وهو ما أخفته صدورهم { ونجواهم } أي ما فاوض فيه بعضهم بعضاً ، لا يخفى عليه شيء منه{[36928]} { وأن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { علام الغيوب* } أي كلها ، أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع لعلمه بالعواقب فيخشوا{[36929]} عاقبته فيوفوا بعهده ، وفائدة الإعطاء مع علمه بالخيانة إقامة الحجة ؛ قال أبو حيان : وقرأ علي و {[36930]}أبو عبد الرحمن والحسن { ألم تعلموا } بالتاء ، وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير{[36931]} - انتهى .

وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان .


[36927]:من ظ، وفي الأصل: للإعفاء.
[36928]:من ظ، وفي الأصل: من علمه.
[36929]:من ظ، وفي الأصل: فتخشوا.
[36930]:سقطت الواو من ظ.
[36931]:سقطت الواو من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (78)

قوله : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } وهذا توبيخ من الله لهؤلاء المنافقين الخاسرين الذين يكفرون بالله وبرسوله وبدينه سرا ويظهرون للمؤمنين أنهم منهم والله سبحانه يبين لهم في تقريع واستنكار في هذا المعنى : ألم يعلموا أن الله يعلم ما يسرون في أنفسهم من الخبث والخداع ، وما تنطوي عليه قلوبهم من الكفر والكراهية لدين الإسلام ؟ ! ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يسمع نجواهم ؛ إذ يتناجون فيما بينهم بالطعن في دين الله ورسوله والمسلمين ؟ ! أفلا يخشى هؤلاء المنافقون أن تحل بدارهم القوارع والمثلاث من الله عقابا لكفرهم وفساد قلوبهم وسرائرهم ؟ ! {[1856]} .


[1856]:فتح القدير جـ 2 ص 358 وتفسير الرازي جـ 16 ص 146 والكشاف جـ 2 ص 204 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 374..