في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ} (57)

( قال : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ? فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعد لا نخلفه نحن ولا أنت ، مكانا سوى . قال : موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ) . .

وهكذا لم يمض فرعون في الجدل ، لأن حجة موسى - عليه السلام - فيه واضحة وسلطانه فيه قوي ، وهو يستمد حجته من آيات الله في الكون ، ومن آياته الخاصة معه . . إنما لجأ إلى اتهام موسى بالسحر الذي يجعل العصا حية تسعى ، ويحيل اليد بيضاء من غير سوء . وقد كان السحر أقرب خاطر إلى فرعون لأنه منتشر في ذلك الوقت في مصر ؛ وهاتان الآيتان أقرب في طبيعتهما إلى المعروف من السحر . . وهو تخييل لا حقيقة ، وخداع للبصر والحواس ، قد يصل إلى خداع الإحساس ، فينشئ فيه آثارا محسوسة كآثار الحقيقة . كما يشاهد من رؤية الإنسان لأشياء لا وجود لها ، أو في صورة غير صورتها . وما يشاهد من تأثر المسحور أحيانا تأثرات عصبية وجسدية كما لو كان الأثر الواقع عليه حقيقة . . وليس من هذا النوع آيتا موسى . إنما هما من صنع القدرة المبدعة المحولة للأشياء حقا . تحويلا وقتيا أو دائما .

قال : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ? .

و يظهر إن استعباد بني إسرائيل كان إجراء سياسيا خوفا من تكاثرهم وغلبتهم . وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير . ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور . واستبقاء الإناث ؛ وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال . . فلما قال له موسى وهارون : أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم . قال : ( أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ? )لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ} (57)

فكأنه قيل : كيف صنع في تكذيبه وإبائه ؟ فقيل : { قال } حين لم يجد مطعناً مخيلاً للقبط {[49370]}بما يثيرهم{[49371]} حمية لأنفسهم لأنه علم حقية{[49372]} ما جاء به موسى وظهوره ، وتقبل العقول له ، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ، ووهن{[49373]} في نفسه وهناً عظيماً بتأمل كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره : { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } هذه التي نحن مالكوها { بسحرك يا موسى* } فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر ، فكان ذلك - مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال{[49374]} - صارفاً لهم{[49375]} عن اتباع ما رأوا من البيان ،


[49370]:من ظ وفي الأصل: بما يغيرهم، وفي مد: كما يثيرهم.
[49371]:من ظ وفي الأصل: بما يغيرهم، وفي مد: كما يثيرهم.
[49372]:من ظ ومد وفي الأصل: حقيقة.
[49373]:بهامش ظ: أي فرعون.
[49374]:من ظ ومد وفي الأصل: الضلالة.
[49375]:من ظ ومد، وفي الأصل: لكم.