في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

ثم يستطرد فيعرض على فرعون آثار تدبير الله في الكون وآلائه على بني الإنسان . فيختار بعض هذه الآثار المحيطة بفرعون ، المشهودة له في مصر ذات التربة الخصبة والماء الموفور والزرع والأنعام :

( الذي جعل لكم الأرض مهدا ، وسلك لكم فيها سبلا ، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى . كلوا وارعوا أنعامكم . إن في ذلك لآيات لأولي النهي ) . .

والأرض كلها مهد للبشر في كل مكان وزمان . مهد كمهد الطفل . وما البشر إلا أطفال هذه الأرض . يضمهم حضنها ويغذوهم درها ! وهي ممهدة لهم كذلك للسير والحرث والزرع والحياة . جعلها الخالق المدبر كذلك يوم أعطى كل شيء خلقه . فأعطى هذه الأرض خلقها على الهيئة التي خلقت بها صالحة للحياة التي قدرها فيها ؛ وأعطى البشر خلقهم كذلك على الهيئة التي خلقهم بها صالحين للحياة في هذه الأرض التي مهدها لهم وجعلها مهدهم . . المعنيان متقاربان متصلان .

وصورة المهد وصفة التمهيد لا تبدو في بقعة من الأرض كما تبدو في مصر . ذلك الوادي الخصيب الأخضر السهل الممهد الذي لا يحوج أهله إلا إلى أيسر الكد في زرعه وجناه . وكأنما هو المهد الحاني على الطفل يضمه ويرعاه .

والخالق المدبر الذي جعل الأرض مهدا ، شق للبشر فيها طرقا وأنزل من السماء ماء . ومن ماء المطر تتكون الأنهار وتفيض - ومنها نهر النيل القريب من فرعون - فيخرج النبات أزواجا من أجناس كثيرة . ومصر أظهر نموذج لأخراج النبات لطعام الإنسان ورعي الحيوان .

وقد شاء الخالق المدبر أن يكون النبات أزواجا كسائر الأحياء . وهي ظاهرة مطردة في الأحياء كلها . والنبات في الغالب يحمل خلايا التذكير ، وخلايا التأنيث في النبتة الواحدة وأحيانا يكون اللقاح في نبتة ذكر منفردة كما هو الحال في الفصائل الحيوانية . وبذلك يتم التناسق في نواميس الحياة ويطرد في كل الفصائل والأنواع . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

ثم وصل بذلك{[49308]} ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال : { الذي جعل لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها { مهداً } تفترشونها ، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها ، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف { وسلك لكم فيها سبلاً } {[49309]}أي سهّل طرقاً تسلكونها{[49310]} في أراضي سهلة وحزنة{[49311]} وسطها بين الجبال والأودية والرمال{[49312]} ، وهيأ لكم فيها من المنافع من {[49313]}المياه والمراعي ما يسهل ذلك{[49314]} ، وجعل فيها{[49315]} ما لا يمكن استطراقه أصلاً ، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة ، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع { وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه واحداً في اللون والطعم .

ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول . استغرق {[49316]}صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال ، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً{[49317]} عن نفسه وعن جميع الأكوان ، فعبر عن ذلك{[49318]} ، {[49319]}عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة{[49320]} بقوله : { فأخرجنا } {[49321]}أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة{[49322]} { به أزواجاً } أي{[49323]} أصنافاً {[49324]}متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له{[49325]} { من نبات شتى* } أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم ؛


[49308]:بين سطري ظ: أي قوله: لا يضل ربي ولا ينسى.
[49309]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49310]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49311]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49312]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49313]:من ظ ومد، وفي الأصل "و" وبين سطري ظ: بيان للمنافع.
[49314]:بين سطري ظ: أي السلوك في هذه.
[49315]:بهامش ظ: الضمير يرجع إلى الأرض.
[49316]:بهامش ظ: قول المفسر سامحه الله ولا آخذه استغرق صلى الله عليه وسلم إلى ان قال: فعبر عن ذلك، فيه نظر ويتلوه تعقيب مطول لا يقيده القلم لسوء الحظ
[49317]:بهامش ظ: قوله "فانيا" هو حال من الضمير في "استغرق" أي استغرق حال كونه فانيا.
[49318]:بين سطري ظ: أي الاستطراق في...الجنة.
[49319]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49320]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49321]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49322]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49323]:زيد من ظ ومد.
[49324]:سقط ما بين الرقمين في ظ.
[49325]:سقط ما بين الرقمين في ظ.