في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} (5)

ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وعن القرآن : ( وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) . .

ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأولين التي يسوقها للعبرة والعظة ، وللتربية والتوجيه ، فقالوا عن هذا القصص الصادق : ( أساطير الأولين )وزعموا أن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] طلب أن تكتب له ، لتقرأ عليه في الصباح والمساء - إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب - ثم يقولها هو بدوره ، وينسبها إلى الله ! وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس ، ولا تثبت للمناقشة . وإن سياقة القصص في القرآن بهذا التنسيق في عرضه ؛ وبهذا التناسق بينه وبين الموضوع الذي يساق فيه ، ويستشهد بالقصص عليه ؛ وبهذا التناسب بين أهداف القصص وأهداف السياق في السورة الواحدة . . إن هذا كله ليشهد بالقصد والتدبير العميق اللطيف الذي لا يلحظ في الأساطير المبعثرة التي لا تجمعها فكرة ، ولا يوجهها قصد ، إنما تساق للتسلية وتزجية الفراغ !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} (5)

ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه ، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد ، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً : { وقالوا } أي الكفار { أساطير } جمع إسطارة وأسطورة { الأولين } من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء { اكتتبها } أي تطلب كتابتها له { فهي } أي فتسبب عن تكلفه ذلك أنها { تملى } أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً { عليه } من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ { بكرة } قبل أن ينتشر الناس { وأصيلاً* } أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ لأنه أمي ، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة ، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه ، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً ، فكيف والبلد صغير ، والرجل عظيم شهير ، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك ، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق ، و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله ، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهو أكثر منه مالاً ، وأعظم أعواناً ، فلا يقدرون .