فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} (5)

ثم ذكر الشبهة الثانية ، فقال { وَقَالُواْ أساطير الأولين } أي أحاديث الأوّلين ، وما سطروه من الأخبار ، قال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة ، وقال غيره : أساطير جمع أسطار مثل أقاويل وأقوال { اكتتبها } أي استكتبها ، أو كتبها لنفسه ، ومحل اكتتبها النصب على أنه حال من أساطير ، أو محله الرفع على أنه خبر ثانٍ ، لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه أساطير الأوّلين اكتتبها ، ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ ، واكتتبها خبره ، ويجوز أن يكون معنى اكتتبها جمعها من الكتب ، وهو : الجمع ، لا من الكتابة بالقلم ، والأوّل أولى .

وقرأ طلحة { اكتتبها } مبنياً للمفعول ، والمعنى : اكتتبها له كاتب ، لأنه كان أمياً لا يكتب ، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير ، فصار اكتتبها إياه ، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه ، فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً ، كذا قال في الكشاف ، واعترضه أبو حيان { فَهِيَ تملى عَلَيْهِ } أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ، ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه ، ويجوز أن يكون المعنى اكتتبها أراد اكتتابها { فَهِيَ تملى عَلَيْهِ } لأنه يقال : أمليت عليه ، فهو يكتب { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } غدوة وعشياً كأنهم قالوا : إن هؤلاء يعلمون محمداً طرفي النهار ، وقيل معنى بكرة وأصيلاً : دائماً في جميع الأوقات .

/خ6