في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ} (61)

51

ويمضي السياق في التنفير من موالاتهم بعرض صفاتهم وسماتهم - بعد عرض تاريخهم وجزائهم - ويجيء التحذير والتوعي7ة منهم بكشف ما يبيتون . . ويبرز اليهود كذلك في الصورة ، لأن الحديث عن وقائع جارية ، ومعظم الشر كان يجيء من قبل يهود :

( وإذا جاؤوكم قالوا : آمنا . وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به . والله أعلم بما كانوا يكتمون . وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان . وأكلهم السحت ، لبئس ما كانوا يعملون ! لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت . لبئس ما كانوا يصنعون ! وقالت اليهود : يد الله مغلولة . . غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ؛ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء - وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . ويسعون في الأرض فسادا . والله لا يحب المفسدين ) . .

إنها عبارات تنشى ء صورا متحركة مشاهد حية - على طريقة التعبير القرآنية الفريدة - ومن وراء القرون يملك قارى ء هذه الآيات أن يشهد - بعين التصور - هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود - على الأرجح - فالسياق يتحدث عنهم ، وإن كان من الجائز أنه يعني كذلك بعض المنافقين في المدينة . . يشهدهم يجيئون للمسلمين فيقولون : آمنا . . ويشهد في جعبتهم " الكفر " وهم يدخلون به ويخرجون ؛ بينما ألسنتهم تقول غير ما في الجعبة من كفر يحملونه داخلين خارجين !

ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض : آمنوا بهذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون . . أي لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك الخبيث اللئيم .

( والله أعلم بما كانوا يكتمون ) . .

يقولها الله - سبحانه - لأنها الحقيقة ؛ ثم لكي يطمئن المؤمنون إلى كلاءة ربهم لهم ، وحفظهم من كيد عدوهم ؛ وإحاطته علما بهذا الكيد المكتوم ، ثم ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم ينتهون !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ} (61)

ولما تم ذلك عطف سبحانه على{[26708]} { وإذا ناديتم إلى الصلاة } قوله دالاً على استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء أعمالهم دلالة على صحة{[26709]} دين الإسلام بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسلام على خفايا الأسرار : { وإذا جاءوكم } أي أيها المؤمنون ! هؤلاء المنافقون من الفريقين ، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة منهم ، ما أفادتهم دعوى{[26710]} الإيمان شيئاً عند الله ، والعدول إلى خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت ، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم في لحن القول ، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم { قالوا آمنا } أي لا تغتروا بمجرد قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ينفيه منها ، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر ، لكونهما علة للمعطوف عليه ، فهما{[26711]} كالجزء منه .

ولما ادعوا الإيمان كذَّبهم{[26712]} سبحانه في دعواهم بقوله مقرباً لماضيهم من الحال رجاء لهم غير الدخول{[26713]} ، لأنها تكاد تظهر ما هم{[26714]} مخفوه ، {[26715]} فوجب التوقع{[26716]} للتصريح بها : { وقد } أي قالوا ذلك والحال أنهم قد { دخلوا } أي إليكم { بالكفر } مصاحبين له متلبسين به . {[26717]}

ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال ، لما يرون من سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهدية الحسن ، فلم يتأثروا{[26718]} لما عندهم من الحسد الموجب للعناد ، أخبر عن ذلك بأبلغ من الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيداً{[26719]} للأخبار عن ثباتهم على الكفر ، لأنه أمر ينكره العاقل فقال : { وهم } أي من عند أنفسهم لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من أحد منكم ، لا منك ولا من أتباعك { قد خرجوا به } أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير ، دالاً على قوة عنادهم{[26720]} بالجملة الاسمية المفيدة للثبات ، وذكر المسند إليه مرتين ، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا .

{[26721]} ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه ، نبه عليه بقوله{[26722]} : { والله } أي المحيط بجميع{[26723]} صفات{[26724]} الكمال وبكل شيء علماً وقدرة { أعلم } أي منهم وممن توسم فيهم النفاق { بما كانوا }{[26725]} أي بما في جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد{[26726]} { يكتمون * } أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم{[26727]} وأفعالهم .


[26708]:سقط من ظ.
[26709]:في ظ: سو- كذا.
[26710]:في ظ: دعوة.
[26711]:في ظ: وهما.
[26712]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26713]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26714]:في ظ: هو.
[26715]:في ظ: يوجب الرفع.
[26716]:في ظ: يوجب الرفع.
[26717]:سقط من ظ.
[26718]:من ظ، وفي الأصل: فلم يتأثر.
[26719]:من ظ، وفي الأصل: كيدا.
[26720]:في ظ: عندهم.
[26721]:تأخر ما بين الرقمين في ظ عن "بما كانوا".
[26722]:تأخر ما بين الرقمين في ظ عن "بما كانوا".
[26723]:زيد من ظ.
[26724]:من ظ، وفي الأصل: بصفات.
[26725]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26726]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26727]:في ظ: أحوالهم.