في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (80)

ثم يمضي السياق إلى نهاية هذا المقطع في الحديث عن بني إسرائيل ، وهو نهاية هذا الجزء . فيصف حالهم على عهد الرسول [ ص ] وهي حالهم في كل زمان وفي كل مكان ، فهم يتولون الذين كفروا ، ويتناصرون معهم ضد الجماعة المسلمة . وعلة ذلك - مع أنهم أهل كتاب - أنهم لم يؤمنوا بالله والنبي وأنهم لم يدخلوا في دين الله الأخير . . فهم غير مؤمنين . ولو كانوا مؤمنين ما تولوا الكافرين :

( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا . لبئس ما قدمت لهم أنفسهم : أن سخط الله عليهم ، وفي العذاب هم خالدون . ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء . ولكن كثيرا منهم فاسقون ) . .

وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود - على عهد رسول الله [ ص ] ينطبق على حالهم اليوم وغدا ، وفي كل حين . كذلك ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب في معظم أرجاء الأرض اليوم . . مما يدعو إلى التدبر العميق في أسرار هذا القرآن ، وفي عجائبه المدخرة للجماعة المسلمة في كل آن . .

لقد كان اليهود هم الذين يتولون المشركين ؛ ويؤلبونهم على المسلمين ، ( ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا ) . . كما حكى عنهم القرآن الكريم . وقد تجلى هذا كله على أتمه في غزوة الأحزاب ، ومن قبلها ومن بعدها كذلك ؛ إلى اللحظة الحاضرة . . وما قامت إسرائيل في أرض فلسطين أخيرا إلا بالولاء والتعاون مع الكافرين الجدد من الماديين الملحدين !

فأما الفريق الآخر من أهل الكتاب ، فهو يتعاون مع المادية الإلحادية كلما كان الأمر أمر المسلمين ! وهم يتعاونون مع الوثنية المشركة كذلك ، كلما كانت المعركة مع المسلمين ! حتى و " المسلمون " لا يمثلون الإسلام في شيء . إلا في أنهم من ذراري قوم كانوا مسلمين ! ولكنها الإحنة التي لا تهدأ على هذا الدين ؛ ومن ينتمون إليه ، ولو كانوا في انتمائهم مدعين !

وصدق الله العظيم : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) . .

( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم : أن سخط الله عليهم ، وفي العذاب هم خالدون ) . .

فهذه هي الحصيلة التي قدمتها لهم أنفسهم . . إنها سخط الله عليهم . وخلودهم في العذاب . فما أبأسها من حصيلة ! وما أبأسها من تقدمة تقدمها لهم أنفسهم ؛ ويا لها من ثمرة مرة . ثمرة توليهم للكافرين !

فمن منا يسمع قول الله سبحانه عن القوم ؟ فلا يتخذ من عند نفسه مقررات لم يأذن بها الله : في الولاء والتناصر بين أهل هذا الدين ؛ وأعدائه الذين يتولون الكافرين !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (80)

ولما أخبر بإقرارهم على المناكر ، دل{[27269]} على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان{[27270]} دينهم ، فقال موجهاً بالخطاب{[27271]} لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علماً وأثبتهم توسماً وفهماً : { ترى كثيراً منهم } أي من{[27272]} أهل الكتاب ؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة{[27273]} الأولى السليمة ، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال : { يتولون } أي يتبعون بغاية جهدهم { الذين كفروا } أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه ، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم ، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم{[27274]} إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار ، وكانوا يدعون الإيمان به{[27275]} ثم خالفوه ، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهراً وباطناً ، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطناً ، فكانت{[27276]} موالاته للمشركين دليلاً على كذب دعواه ومظهرة{[27277]} لما أضمره من المخالفة وأخفاه .

ولما كان ذلك منهم ميلاً مع الهوى بغير دليل أصلاً قال : { لبئس ما قدمت } أي تقديم{[27278]} النزل للضيف { لهم أنفسهم } أي التي من شأنها الميل مع الهوى ، ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمتُ - بقوله : { إن سخط الله } أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة { عليهم } ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه{[27279]} ، قال مبيناً أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك : { وفي العذاب } أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة { هم خالدون * } .


[27269]:في ظ: المناكرة.
[27270]:في ظ: ليلتان.
[27271]:في ظ: الخطاب.
[27272]:زيد من ظ.
[27273]:من ظ، وفي الأصل: الفطر.
[27274]:من ظ، وفي الأصل: أسافلهم.
[27275]:سقط من ظ.
[27276]:في ظ: فكأنه.
[27277]:في ظ: مظهر.
[27278]:في ظ: تقدم.
[27279]:زيد من ظ.