نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (80)

ولما أخبر بإقرارهم على المناكر ، دل{[27269]} على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان{[27270]} دينهم ، فقال موجهاً بالخطاب{[27271]} لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علماً وأثبتهم توسماً وفهماً : { ترى كثيراً منهم } أي من{[27272]} أهل الكتاب ؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة{[27273]} الأولى السليمة ، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال : { يتولون } أي يتبعون بغاية جهدهم { الذين كفروا } أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه ، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم ، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم{[27274]} إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار ، وكانوا يدعون الإيمان به{[27275]} ثم خالفوه ، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهراً وباطناً ، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطناً ، فكانت{[27276]} موالاته للمشركين دليلاً على كذب دعواه ومظهرة{[27277]} لما أضمره من المخالفة وأخفاه .

ولما كان ذلك منهم ميلاً مع الهوى بغير دليل أصلاً قال : { لبئس ما قدمت } أي تقديم{[27278]} النزل للضيف { لهم أنفسهم } أي التي من شأنها الميل مع الهوى ، ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمتُ - بقوله : { إن سخط الله } أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة { عليهم } ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه{[27279]} ، قال مبيناً أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك : { وفي العذاب } أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة { هم خالدون * } .


[27269]:في ظ: المناكرة.
[27270]:في ظ: ليلتان.
[27271]:في ظ: الخطاب.
[27272]:زيد من ظ.
[27273]:من ظ، وفي الأصل: الفطر.
[27274]:من ظ، وفي الأصل: أسافلهم.
[27275]:سقط من ظ.
[27276]:في ظ: فكأنه.
[27277]:في ظ: مظهر.
[27278]:في ظ: تقدم.
[27279]:زيد من ظ.