في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (44)

ثم مشهد كوني ثالث : مشهد الليل والنهار :

( يقلب الله الليل والنهار . إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) . .

والتأمل في تقلب الليل والنهار بهذا النظام الذي لا يختل ولا يفتر يوقظ في القلب الحساسية وتدبر الناموس الذي يصرف هذا الكون والتأمل في صنع الله . والقرآن يوجه القلب إلى هذه المشاهد التي ذهبت الألفة بوقعها المثير ؛ ليواجه القلب هذا الكون دائما بحس جديد ، وانفعال جديد . فعجيبة الليل والنهار كم شاقت القلب البشري ، وهو يتأملها أول مرة . وهي هي لم تتغير ؛ ولم تفقد جمالها وروعتها . إنما القلب البشري هو الذي صدىء وهمد ، فلم يعد يخفق لها . وكم ذا نفقد من حياتنا ، وكم ذا نخسر من جمال هذا الوجود ، حين نمر غافلين بهذه الظواهر التي شاقت حسنا وهي جديدة . أو وحسنا هو الجديد !

والقرآن يجدد حسنا الخامد ، ويوقظ حواسنا الملول . ويلمس قلبنا البارد . ويثير وجداننا الكليل ؛ لنرتاد هذا الكون دائما كما ارتدناه أول مرة . نقف أمام كل ظاهرة نتأملها ، ونسألها عما وراءها من سر دفين ، ومن سحر مكنون . ونرقب يد الله تفعل فعلها في كل شيء من حولنا ، ونتدبر حكمته في صنعته ، ونعتبر بآياته المبثوثة في تضاعيف الوجود .

إن الله - سبحانه - يريد أن يمن علينا ، بأن يهبنا الوجود مرة كلما نظرنا إلى إحدى ظواهره ؛ فاستعدنا نعمة الإحساس بها كأننا نراها أول مرة . فنظل نجد الكون مرات لا تحصى . وكأننا في كل مرة نوهبه من جديد ؛ ونستمتع به من جديد .

وإن هذا الوجود لجميل وباهر ورائع . وإن فطرتنا لمتوافقة مع فطرته ، مستمدة من النبع الذي يستمد منه ، قائمة على ذات الناموس الذي يقوم عليه . فالاتصال بضمير هذا الوجود يهبنا أنسا وطمأنينة ، وصلة ومعرفة ، وفرحة كفرحة اللقاء بالقريب الغائب أو المحجوب !

وإننا لنجد نور الله هناك . فالله نور السماوات والأرض . . نجده في الآفاق وفي أنفسنا في ذات اللحظة التي نشهد فيها هذا الوجود بالحس البصير ، والقلب المتفتح ، والتأمل الواصل إلى حقيقة التدبير .

لهذا يوقظنا القرآن المرة بعد المرة ، ويوجه حسنا وروحنا إلى شتى مشاهد الوجود الباهرة ، كي لا نمر عليها غافلين مغمضي الأعين ، فنخرج من رحلة الحياة على ظهر هذه الأرض بغير رصيد . أو برصيد قليل هزيل . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (44)

شرح الكلمات :

{ لعبرة } : أي دالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه ووجوب توحيده .

المعنى :

وقوله تعالى { يقلب الله الليل والنهار } بأن يظهر هذا ويخفي هذا فإذا ظهر النهار اختفى الليل ، وإذا ظهر الليل اختفى النهار فيقلب أحدهما على الآخر فيخفيه ويستره به وقوله : { إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار } أي إن في إنزال البرد ولمعان البرق وتقليب الليل والنهار لعظة عظيمة لأولى البصائر تهديهم إلى الإيمان بالله وجلاله وكما يعبدونه ويوحدونه مُحِبين له معظمين راجعين خائفين إن هذه ثمرة الهداية هذا ما دلت عليه الآية ( 44 )

الهداية :

- مظاهر القدرة والعلم في تقليب الليل والنهار على بعضهما بعضاً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (44)

ثم ذكر ما هو أدل على الاختيار ، فقال مترجماً لما مضى بزيادة : { يقلب الله } أي الذي له الأمر كله بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاماً ، والنقص تارة والزيادة أخرى ، مع المطر تارة والصحو أخرى { الليل والنهار } فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والينوع واليبس ما يبهر العقول ؛ ولهذا قال منبهاً على النتيجة : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم { لعبرة لأولي الأبصار* } أي النافذة ، والقلوب الناقدة ، يعبرون منها إلى معرفة ما لمدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعاً على الوحدانية .