ولكن السياق يمضي بعد ذلك يوقع إيقاعه الكبير :
( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا . فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) . .
إنها القاعدة التي يرجع إليها الأمر كله : طاعة الله وطاعة الرسول . . الإسلام . . الذي لا تبقى معه إلا الطاعة المطلقة لله وللرسول . . والحذر من المخالفة ، والتهديد الملفوف :
( فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) . .
وقد بلغ وبين ، فتحددت التبعة على المخالفين ، بعد البلاغ المبين . .
إنه التهديد القاصم ، في هذا الأسلوب الملفوف ، الذي ترتعد له فرائص المؤمنين ! . . إنهم حين يعصون ولا يطيعون لا يضرون أحدا إلا أنفسهم . لقد بلغ الرسول [ ص ] وأدى ؛ ولقد نفض يديه من أمرهم إذن فما هو بمسؤول عنهم ، وما هو بدافع عنهم عذابا - وقد عصوه ولم يطيعوه - ولقد صار أمرهم كله إلى الله سبحانه . وهو القادر على مجازاة العصاة المتولين !
إنه المنهج الرباني يطرق القلوب ، فتنفتح له مغاليقها ، وتتكشف له فيها المسالك
ولعله يحسن هنا أن نبين ما هي الخمر التي نزل فيها هذا النهي :
أخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : " كل مخمر خمر . وكل مسكر حرام " . .
وخطب عمر - رضي الله عنه - على منبر النبي [ ص ] بمحضر جماعة من الصحابة فقال : " يا أيها الناس قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير . والخمر ما خامر العقل " . . [ ذكره القرطبي في تفسيره ] .
فدل هذا وذلك على أن الخمر تشمل كل مخمر يحدث السكر . . وأنه ليس مقصورا على نوع بعينه . وأن كل ما أسكر فهو حرام . إن غيبوبه السكر - بأي مسكر - تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم ليكون موصولا بالله في كل لحظة ، مراقبا لله في كل خطرة . ثم ليكون بهذه اليقظة عاملا إيجابيا في نماء الحياة وتجددها ، وفي صيانتها من الضعف والفساد ، وفي حماية نفسه وماله وعرضه ، وحماية أمن الجماعة المسلمة وشريعتها ونظامها من كل اعتداء . والفرد المسلم ليس متروكا لذاته وللذاته ؛ فعلية في كل لحظة تكاليف تستوجب اليقظة الدائمة . تكاليف لربه ، وتكاليف لنفسه ، وتكاليف لأهله ، وتكاليف للجماعة المسلمة التي يعيش فيها ، وتكاليف للإنسانية كلها ليدعوها ويهديها . وهو مطالب باليقظة الدائمة لينهض بهذه التكاليف . وحتى حين يستمتع بالطيبات فإن الإسلام يحتم عليه أن يكون يقظا لهذا المتاع ، فلا يصبح عبدا لشهوة أو لذة . إنما يسيطر دائما على رغباته فيلبيها تلبية المالك لأمره . . وغيبوبة السكر لا تتفق في شيء مع هذا الاتجاه .
ثم إن هذه الغيبوبة في حقيقتها إن هي إلا هروب من واقع الحياة في فترة من الفترات ؛ وجنوح إلى التصورات التي تثيرها النشوة أو الخمار . والإسلام ينكر على الإنسان هذا الطريق ويريد من الناس أن يروا الحقائق ، وأن يواجهوها ، ويعيشوا فيها ، ويصرفوا حياتهم وفقها ، ولا يقيموا هذه الحياة على تصورات وأوهام . . إن مواجهة الحقائق هي محك العزيمة والإرادة ؛ أما الهروب منها إلى تصورات وأوهام فهو طريق التحلل ، ووهن العزيمة ، وتذاوب الإرادة . والإسلام يجعل في حسابه دائما تربية الإرادة ، وإطلاقها من قيود العادة القاهرة . . الإدمان . . وهذا الاعتبار كاف وحده من وجهة النظر الإسلامية لتحريم الخمر وتحريم سائر المخدرات . . وهي رجس من عمل الشيطان . . مفسد لحياة الانسان .
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار ذات الخمر نجسة كبقية النجاسات الحسية . أو في اعتبار شربها هو المحرم . والأول قول الجمهور والثاني قول ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين . . وحسبنا هذا القدر في سياق الظلال .
{ ليس على الذين آمنوا . . . }مات ناس من الصحابة قبل تحريم الخمر والميسر وقد طعموهما ، فقال بعض الصحابة : كيف بأصحابنا الذين ماتوا قبل تحريمهما ؟ فنزلت الآية مبينة حال من مات قبل التحريم وحال من مات بعده . أي لا إثم على الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيما تناولوه منهما قبل التحريم إذا ما اتقوا الشرك-أو ما حرم عليهم قبل ذلك –وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ، ثم اتقوا الخمر والميسر بعد التحريم و آمنوا بتحريمهما ، ثم ثبتوا على اتقاء جميع ما شرع تحريمه و أحسنوا العمل ، فتكرير الاتقاء باعتبار الأوقات الثلاثة . والمراد أنه لا جناح عليهم إذا كان من شأنهم أنهم كلما أمروا بشيء أو نهوا عن شيء سارعوا إلى الطاعة والامتثال ، فكلما حرم الله عليهم مباحا اتقوه . وظاهر أن انتقاء الجناح إنما يعتمد اتقاء المحرمات ، ولا دخل فيه لباقي الصفات الحميدة المذكورة ، وإنما ذكرت شهادة باتصاف هؤلاء الصحابة بها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.