في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (52)

37

ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى ، لينطق رب العزة والجلالة ، وصاحب الملك والحكم :

( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا . وما كانوا بآياتنا يجحدون . ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ، هدى ورحمة لقوم يؤمنون . هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق ، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل . قد خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . .

وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً . . لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا . لمحة مع المعذبين في النار ، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله ، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين . فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون . . ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير ؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل . فالمآل هو مايرون في هذا المشهد من واقع الحال !

إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض ؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب !

وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير ؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء . تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده ، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله ، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله ، حيث لا فسحة لتوبة ، ولا شفاعة في الشدة ، ولا رجعة للعمل مرة أخرى .

نعم . . هكذا ينتهي الاستعراض العجيب . فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه .

ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن ! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء !

إنها رحلة الحياة كلها ، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها . . ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى ، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها !

وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان . يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون . . كله في لمحات . . لعلها تتذكر ، ولعلها تسمع للنذير :

( كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء ، قليلاً ما تذكرون ) . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (52)

الكتاب : القرآن الكريم .

التفصيل : التبين بوضوح .

بعد أن بين الله أحوال أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف وما دار بينهم من حوار ، عقَّب بذِكر حال القرآن الكريم ، وأنه حجةُ الله على البشر كافة ، أزاح عِلل الكفار وأبطل معاذيرهم . ثم أردف تعالى بذِكر حال المكذبين وما يكون منهم يوم القيامة من الندم والحسرة وتمنّي العودة إلى الدنيا ليعملوا غير الذي كانوا يعملون . لكن ، هيهات . . لقد فات الأوان وطُويت حياة العمل .

لقد جئناهم بكتابٍ كامل البيان هو القرآن ، فصّلنا آياتِه تفصيلاً على علم منّا ، فيه أدلّةُ التوحيد وآياتُ الله في الكون ، وما يحتاج إليه المكلَّفون من العلم والعمل وفيه بيان الطريق المستقيم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (52)

قوله تعالى : " ولقد جئناهم بكتاب " يعني القرآن . " فصلناه " أي بيناه حتى يعرفه من تدبره . وقيل : " فصلناه " أنزلناه متفرقا . " على علم " منا به ، لم يقع فيه سهو ولا غلط . " هدى ورحمة " قال الزجاج : أي هاديا وذا رحمة ، فجعله حالا من الهاء التي في " فصلناه " . قال الزجاج : ويجوز هدى ورحمة ، بمعنى هو هدى ورحمة . وقيل : يجوز هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب . وقال الكسائي والفراء : ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب . قال الفراء : مثل " وهذا كتاب أنزلناه مبارك{[7145]} " [ الأنعام : 155 ] . " لقوم يؤمنون " خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به .


[7145]:راجع ص 142 من هذا الجزء