في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ} (61)

58

بعد ذلك يربط السياق بين وعد الله بالنصر لمن يعاقب بمثل ما عوقب به ثم يقع عليه البغي . . يربط بين هذا الوعد وسنن الله الكونية الكبرى ، التي تشهد بقدرة الله على تحقيق وعده ، كما تشهد بدقة السنن الكونية المطردة مما يوحي بأن ذلك النصر هو إحدى هذه السنن التي لا تتخلف .

( ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، وأن الله سميع بصير ) . .

وهي ظاهرة طبيعية تمر بالبشر صباحا ومساء ، وصيفا وشتاء . الليل يدخل في النهار عند المغيب ، والنهار يدخل في الليل عند الشروق . والليل يدخل في النهار وهو يطول في مدخل الشتاء ، والنهار يدخل في الليل وهو يمتد عند مطلع الصيف . . ويرى البشر هذه الظاهرة وتلك من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل فينسيهم طول رؤيتها وطول ألفتها ما وراءها من دقة النواميس واطرادها . فلا تختل مرة ، ولا تتوقف مرة . وهي تشهد بالقدرة الحكيمة التي تصرف هذا الكون وفق تلك النواميس .

والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكرورة التي يمر عليها الناس غافلين . ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة ، وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب . وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من جانب . في دقة عجيبة لا تختل ، وفي اطراد عجيب لا يتخلف . . وكذلك نصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان . . إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل . فكذلك يزوي الله سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين . فهي سنة كونية كتلك السنة ، يمر عليها الناس غافلين ، كما يمرون على دلائل القدرة في صفحة الكون وهم لا يشعرون !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ} (61)

قوله تعالى : " ذلك بأن الله يولج الليل في النهار " أي ذلك الذي قصصت عليك من نصر المظلوم هو بأني أنا الذي أولج الليل في النهار فلا يقدر أحد على ما أقدر عليه ، أي من قدر على هذا قدر على أن ينصر عبده . وقد مضى في " آل عمران " معنى يولج الليل في النهار . {[11584]} " وأن الله سميع بصير " يسمع الأقوال ويبصر الأفعال ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها .


[11584]:راجع ج 4 ص 56.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ} (61)

ولما ختم بهذين الوصفين ذكر من الدليل عليهما أمراً جامعاً للمصالح ، عاماً للخلائق ، يكون فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال : { ذلك } أي معرفة اتصافه سبحانه بهذين الوصفين { بأن الله } المتصف بجميع صفات الكمال { يولج } لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن { الليل في النهار } فيمحو ظلامه بضيائه ، ولو شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمداً فتعطلت مصالح النهار { ويولج النهار في الليل } فينسخ ضياءه بظلامه ، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل ، أو يطول أحدهما حيث يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع عليه الآخر لما يراد من المصالح التي جعل ذلك لأجلها { وأن الله } بجلاله وعظمته { سميع } لما يمكن أن يسمع { بصير* } أي مبصر عالم لما يمكن أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع ، ولا لضياء النهار ليبصر ، لأنه منزه عن الأعراض ، وهو لتمام قدرته وعلمه لا يخاف في عفوه غائلة ، ولا يمكن أن يفوته أمر ، أو يكون التقدير : ذلك النصر والعفو بأنه قادر وبأنه عالم .