في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

17

ومن الماء تنشأ الحياة :

( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ، لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ) . .

والنخيل والأعناب نموذجان من الحياة التي تنشأ بالماء في عالم النبات - كما ينشأ الناس من ماء النطفة في عالم الإنسان - نموذجان قريبان لتصور المخاطبين إذ ذاك بالقرآن ، يشيران إلى نظائرهما الكثيرة التي تحيا بالماء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

فيه مسألتان :

الأولى-قوله تعالى : " فأنشأنا " أي جعلنا ذلك سبب النبات ، وأوجدناه به وخلقناه . وذكر تعالى النخيل والأعناب ؛ لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما ، قاله الطبري . ولأنها أيضا أشرف الثمار ، فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها . " لكم فيها " أي في الجنات . " فواكه " من غير الرطب والعنب . ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع ، والأول أعم لسائر الثمرات .

الثانية-من حلف ألا يأكل فاكهة ، في الرواية عندنا يحنث بالباقلاء الخضراء وما أشبهها . وقال أبو حنيفة : لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر ، لأنها من القبول لا من الفاكهة . وكذلك الجوز واللوز والفستق ؛ لأن هذه الأشياء لا تعد من الفاكهة وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث . وكذلك البطيخ ؛ لأن هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام وبعده ، فكانت فاكهة . وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس ؛ لأن ذلك لا يؤكل إلا في بعض البلدان . ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من الفواكه . وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث . وخالفه صاحباه فقالا يحنث ؛ لأن هذه الأشياء من أعز الفواكه ، وتؤكل على وجه التنعم . والإفراد لها بالذكر في كتاب الله عز جل لكمال معانيها ، كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة . واحتج أبو حنيفة بأن قال : عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال " فيهما فاكهة ونخل ورمان " {[11641]} [ الرحمن : 68 ] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال : " وفاكهة{[11642]}وأبا " [ عبس : 31 ] والمعطوف غير المعطوف عليه ، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة . والعنب والرمان يكتفى بهما في بعض البلدان فلا يكون فاكهة ، ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه ، ويابس هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها .


[11641]:راجع ج 17 ص 185.
[11642]:راجع ج 19 ص 20.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

ولما ذكر إنزاله ، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال : { فأنشأنا } أي فأخرجنا وأحيينا { لكم } خاصة ، لا لنا { به } أي بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي { جنات } أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها { من نخيل وأعناب } صرح بهذين الصنفين لشرفهما ، ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار ، سمي الأول باسم شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من شجرته ؛ وأشار إلى غيرهما بقوله : { لكم } أي خاصة { فيها } أي الجنات { فواكه كثيرة } ولكم فيها غير ذلك .

ولما كان التقدير : منها - وهي طرية - تتفكهون ، عطف عليه قوله : { ومنها } أي بعد اليبس والعصر { تأكلون* } أي يتجدد لكم الأكل بالادخار ، ولعله قدم الظرف تعظيماً للامتنان بها .