في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

138

وأخيراً هدأت الهيجة ، وانكشفت الحقيقة ، وتبين السخف ، ووضح الضلال ، وجاءت نوبة الندم والإقرار :

( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ، قالوا : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) . .

يقال : سقط في يده إذا عدم الحيلة في دفع ما هو بصدده من أمر . . ولما رأى بنو إسرائيل أنهم صاروا - بهذه النكسة - الى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهى ! قالوا قولتهم هذه :

( لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) . .

وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح . فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم ! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته . . وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

قوله تعالى : " ولما سقط في أيديهم " أي بعد عود موسى من الميقات . يقال للنادم المتحير : قد سقط في يده . قال الأخفش : يقال سقط في يده ، وأسقط . ومن قال : سقط في أيديهم على بناء الفاعل ، فالمعنى عنده : سقط الندم . قاله الأزهري والنحاس وغيرهما . والندم يكون في القلب ، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شيء : قد حصل في يده أمر كذا ؛ لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد . قال الله تعالى : " ذلك بما قدمت يداك{[7371]} " [ الحج : 10 ] . وأيضا : الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في البدن ؛ لأن النادم يعض يده ، ويضرب إحدى يديه على الأخرى ؛ وقال الله تعالى : " فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها{[7372]} " [ الكهف : 42 ] أي ندم . " ويوم يعض الظالم على يديه{[7373]} " [ الفرقان : 27 ] أي من الندم . والنادم يضع ذقنه في يده . وقيل : أصله من الاستئسار ، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه ، فالمرمي مسقوط به في يد الساقط . " ورأوا أنهم قد ضلوا " أي انقلبوا{[7374]} بمعصية الله . " قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين " أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار . وقرأ حمزة والكسائي : " لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا " بالتاء على الخطاب . وفيه معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء . " ربنا " بالنصب على حذف النداء . وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع . فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع ، فهي أولى .


[7371]:راجع ج 12 ص 15.
[7372]:راجع ج 10 ص 409.
[7373]:راجع ج 13 ص 25
[7374]:في ب و ى: ابتلوا.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

ولما كان هذا في سياق { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } فأنتج{[33422]} أن من كذب على هذه الصفة أهلك ، فانتظر السامع الإخبار بتعجيل هلاكهم ، أخبر بأنه منعهم من ذلك وحرسهم المبادرة بالتوبة ، ولما اشتد من تشوف السامع إليه ، قدمه على سببه وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم ، ولأن السياق في ذكر إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول{[33423]} توبتهم كما في البقرة ؛ ولما كان من المعلوم أنهم تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم لكون نبيهم فيهم ، عبر بما أفهم أن التقدير : فسقط في أيديهم ، وعطف عليه قوله{[33424]} سائقاً مساق ما هو معروف : { ولما سقط } أي سقطت أسنانهم { في أيديهم } بعضها ندماً سقوطاً{[33425]} كأنه بغير اختيار لما غلب فيه من الوجد والأسف الذي أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول { ورأوا أنهم قد ضلوا } أي عن الطريق الواضح { قالوا } توبة ورجوعاً إلى الله كما قال{[33426]} أبوهم آدم{[33427]} عليه السلام { لئن لم يرحمنا ربنا } أي الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فكيف غضبه ويديم إحسانه { ويغفر لنا } أي يمحو ذنوبنا عيناً وأثراً لئلا ينتقم منا في المستقبل { لنكونن من الخاسرين* } أي فينتقم من بذنوبنا .


[33422]:- من ظ، وفي الأصل: انتج.
[33423]:من ظ، وفي الأصل: فيقول.
[33424]:- زيد من ظ.
[33425]:- في ظ: سقطا.
[33426]:- في ظ: إبراهيم.
[33427]:- في ظ: إبراهيم.