في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ} (83)

لقد واعد الله موسى - عليه السلام - على الجبل ميعادا ضربه له ليلقاه بعد أربعين يوما ؛ لتلقي التكاليف : تكاليف النصر بعد الهزيمة . وللنصر تكاليفه ، وللعقيدة تكاليفها ، ولا بد من تهيؤ نفسي واستعداد للتلقي .

وصعد موسى إلى الجبل ، وترك قومه في أسفله ، وترك عليهم هارون نائبا عنه . .

لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه ، والوقوف بين يديه ، وقد ذاق حلاوتها من قبل ، فهو إليها مشتاق عجول . ووقف في حضرة مولاه . وهو لا يعلم ما وراءه ، ولا ما أحدث القوم بعده ؛ حين تركهم في أسفل الجبل .

وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه . . فلنشهد المشهد ولنسمع الحوار :

( وما أعجلك عن قومك يا موسى ?

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ} (83)

قوله تعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى " أي ما حملك على أن تسبقهم . قيل : عنى بالقوم جميع بني إسرائيل ، فعلى هذا قيل : استخلف هارون على بني إسرائيل ، وخرج معه بسبعين رجلا للميقات فقوله : " قال هم أولاء على أثري " ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه ، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم . وقيل : لا بل كان أمر هارون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به . وقال قوم : أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم ، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله . وقيل : لما وفد إلى طور سينا بالوعد اشتاق إلى ربه وطالت عليه المسافة من شدة الشوق إلى الله تعالى ، فضاق به الأمر شق قميصه ، ثم لم يصبر حتى خلفهم ومضى وحده ، فلما وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى " فبقي صلى الله عليه وسلم متحيرا عن الجواب وكنى عنه بقوله : " هم أولاء على أثري " وإنما سأله السبب الذي أعجله يقوله " ما " فأخبر عن مجيئهم بالأثر . " وعجلت إليك رب لترضى " فكنى عن ذكر الشوق وصدقه{[11144]} إلى ابتغاء الرضا . ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : " وعجلت إليك رب لترضى " قال : شوقا . وكانت عائشة رضي الله عنها إذا آوت إلى فراشها تقول : هاتوا المجيد . فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك ، رواه سفيان عن مِسْعَر عن عائشة رضي الله عنها . وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول : " إنه حديث عهد بربي " فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق ، ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه : " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق " . قال ابن عباس : كان الله عالما ولكن قال " وما أعجلك عن قومك " رحمة لموسى ، وإكراما له بهذا القول ، وتسكينا لقلبه ، ورقة عليه{[11145]} ، فقال مجيبا لربه : " هم أولاء على أثري " . قال أبو حاتم قال عيسى : بنو تميم يقولون : " هم أولى " مقصورة مرسلة ، وأهل الحجاز يقولون " أولاء " ممدودة . وحكى الفراء " هم أولاء على أثري " وزعم أبو إسحاق الزجاج : أن هذا لا وجه له . قال النحاس وهو كما قال : لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي . ولا يخلو من إحدى جهتين : إما أن يكون اسما مبهما فإضافته محال ، وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضا ؛ لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة . وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب " على إثري " بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر ، لغتان . " وعجلت إليك رب لترضى " أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني . يقال : رجل عجل وعجل وعجول وعجلان بين العجلة ، والعجلة خلاف البطء .


[11144]:في ب و جـ وط و ك وي: وصرفه.
[11145]:المراد بالرقة هنا التعطف.