في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

44

والتعقيب الأول على القصة يدور حول دلالتها على صدق دعوى الوحي . فرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يتلو عليهم تفصيلات الأحداث كما يقصها شاهد العيان ؛ وما كان حاضر أحداثها ، ولكنه الوحي يقصها عليه من لدن عليم خبير ، رحمة بقومه أن يصيبهم العذاب بما هم فيه من الشرك ( فيقولوا : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) . .

وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الإمر ، وما كنت من الشاهدين . ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر . وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ؛ ولكنا كنا مرسلين . وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ؛ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون . ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، فيقولوا : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين . فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا : لولا أوتي مثلما أوتي موسى ! أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ? قالوا : سحران : تظاهرا . وقالوا : إنا بكل كافرون . قل : فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه . إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم . ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ? إن الله لا يهدي القوم الظالمين . ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون . .

والغربي هو الجانب الغربي للطور الذي جعله الله ميقاتا مع موسى - عليه السلام - بعد أجل محدد . . ثلاثين ليلة ، أتمها بعشر . فكانت أربعين ليلة [ على ما ذكر في سورة الأعراف ] وفي هذا الميقات قضي الأمر لموسى في الألواح ، لتكون شريعته في بني إسرائيل . وما كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شاهدا لهذا الميقات ، حتى يعلم نبأه المفصل ، كما ورد في القرآن الكريم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

لم تكن حاضراً فتعرف ذلك مشاهدةً ، ولكنهم رأوا أن إخبارَك عنهم بحيث لا يكذبك كتابُهم ، وبالضرورة عرفوا حالَكَ ، وكيف أنّك لم تَعْلَمْ هذا من أحدٍ ، ولا قَرَأْتَه من كتاب ، لأَنّكَ أُمِّيٌّ لا تُحْسِنُ القراءة ، وإذاً فليس إخبارُكَ إلا بتعريفنا إياك ، وإطلاعنا لَكَ على ذلك .

ويقال : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ } : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى ، وكَلَّمْنَاه ، وخاطبناه في بابِكَ وبابِ أُمَّتِكَ ، ولم تقدح غَيْبَتُكُم في الحال ، وكَوْني لكم خيرٌ من كَوْنِكم لكم .

ويقال : لمَّا خَاطَبَ موسى وكَلَّمَه سأله موسى ؛ إِنَّي أرى في التوراة أُمَّةً صفتهم كذا وكذا . . مَنْ هم ؟ وسأل عن أوصاف كثيرة ، وعن الجميع كان يُجابُ بأنِّها أمة أحمد ، فاشتاق موسى إلى لقائنا ، فقال له : إنه ليس اليومَ وقتُ ظهورِهم ، فإِنْ شئْتَ أَسمعتُكَ كلامَهم ، فأراد أن يسمعَ كلامنا ، فنادانا وقال : يا أمةَ أحمد . . . ، فأجاب الكلُّ من أصلاب آبائهم ، فَسمِعَ موسى كلامَهم ولم يُدْرِكْهُم . والغنيُّ إذا سأله فقيرٌ وأجابه لا يرضى بأن يردَّه من غير إحسان إليه . ( وفي رواية عن ابن عباس ) أن الله قال : " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، ورحمتكم قبل أن تسترحموني " .

قوله جلّ ذكره : { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أُهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسلِينَ } .

ومما كان موسى عليه السلام يتلوه عليهم من الآيات ذِكْرُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم بالجميل . وذكر أمته بحسن الثناء عليهم ، فنحن في الوجود مُحْدَثٌ مخلوقٌ وفي ذكره متعلق لا باستفتاح . ولم نكن في العَدَم أعياناً ، ولا أشياء ، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة . وذكرنا في الخطاب الأزليّ ، والكلام الصمديّ والقول الأبديّ .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

ولما قص اللّه على رسوله ما قص من هذه الأخبار الغيبية ، نبه العباد على أن هذا خبر إلهي محض ، ليس للرسول ، طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي ، ولهذا قال : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ }

أي : بجانب الطور الغربي وقت قضائنا لموسى الأمر { وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } على ذلك ، حتى يقال : إنه وصل إليك من هذا الطريق .