ثم عقب على هذا التحدي بما يفيد أنهم غير صادقين فيما يدعون ، وأنهم يعرفون أنهم لم يقدموا بين أيديهم ما يطمئنون إليه ، وما يرجون الثواب والقربى عليه ، إنما قدموا المعصية التي تخيفهم من الموت وما وراءه . والذي لم يقدم الزاد يجفل من ارتياد الطريق :
( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ) . .
قوله جل ذكره : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُّمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنُّواْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيم بالظَّالِمِينَ } .
هذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم ، فَصَرْفُ قلوبِهم عن تمنِّي الموتِ إلى هذه المدة دَلَّ على صِدْقِه صلوات الله عليه .
ويقال : من علامات المحبة الاشتياقُ إلى المحبوب ؛ فإذا كان لا يَصِلُ إلى لقائه إلا بالموتِ فتمنِّيه - لا محالة - شرطٌ ، فأخبر أنهم لا يتمنونه أبداً . . وكان كما أخبر .
{ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً } إخبار بحالهم المستقبلة وهو عدم تمنيهم الموت ، وذلك خاص على ما صرح به جمع بأولئك المخاطبين ، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه » فلم يتمنه أحد منهم وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه الصلاة والسلام فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد ، وهذه إحدى المعجزات ، وجاء نفي هذا التمني في آية أخرى بلن وهو من باب التفنن على القول المشهور في أن كلا من لا و لن لنفي المستقبل من غير تأكيد ، ومن قال : بإفادة لن التأكيد فوجه اختصاص التوكيد عنده بذلك الموضع أنهم ادعوا الاختصاص دون الناس في الموضعين ، وزادوا هنالك أنه أمر مكشوف لا شبه فيه محققة عند الله فناسب أن يؤكد ما ينفيه ، والباء في قوله سبحانه : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } سببية متعلقة بما يدل عليه النفي أي يأبون التمني بسبب ما قدمت ، وجوز تعلقه بالانتفاء كأنه قيل : انتفي تمنيهم بسبب ما قدمت كما قيل ذلك في قوله تعالى : { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم : 2 ] والمراد بما قدمته أيديهم الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار ، ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها تارة عن النفس . وأخرى عن القدرة .
{ والله عَلِيمٌ بالظالمين } أي بهم وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل ، والجملة تذييل لما قبلها مقررة لما أشار إليه من سوء أفعالهم واقتضائها العذاب أي والله تعالى عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي وبما سيكون منهم فيجازيهم على ذلك .
{ بما قدمت أيديهم } : أي بسب بما قدموه من الكفر والتكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنون .
{ والله عليم بالظالمين } : أي المشركين ولازم علمه بهم أنه يجزيهم بظلمهم العذاب الأليم .
وقوله تعالى : { ولا يتمنونه أبداً } أخبر تعالى وهو العليم أنهم لا يتمنونه في يوم من الأيام أبداً ، وبيّن تعالى علة ذلك بقوله : بما قدمت أيديهم من الذنوب والآثام الموجبة للعذاب .
وقوله { والله عليم بالظالمين } أي من أمثال هؤلاء اليهود وسيجزيهم بظلمهم عذاب الجحيم .
- بيان كذِب اليهود وتدجيلهم في أنهم أولياء الله وأن الجنة خالصة لهم .
ولهذا أمر الله رسوله ، أن يقول لهم : إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق ، وأولياء الله : { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } وهذا أمر خفيف ، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلاً على صدقهم إن تمنوه ، وكذبهم{[1097]} إن لم يتمنوه ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك ، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده ، ولهذا قال : { وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي من الذنوب والمعاصي ، التي يستوحشون من الموت من أجلها ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء .
قوله : { ولا يتمنّونه أبدا بما قدمت أيديهم } لا يتمنى اليهود الموت البتة فهم أحرص الناس على حياة وأشد العالمين حرصا على الدنيا وزينتها ومتاعها . ولسوف يكون جوابهم لمن يتحداهم بتمني الموت ، الرفض والإعراض عن هذا التمني ، وذلك { بما قدمت أيديهم } أي لن يسألوا الله إماتتهم بسبب ما قدموه من المعاصي وما تلبسوا به من تحريف للتوراة ، فضلا عن قتلهم الأنبياء بغير حق { والله عليم بالظالمين } وذلك وعيد من الله للمشركين الذين يفسقون عن أمر الله ويسعون في الأرض إضلالا وإفسادا .