وبمناسبة هذه الإشارة إلى الغنيمة الحاضرة ، والغنيمة التي قد أحاط الله بها ، وهم في انتظارها ، يقرر لهم أنهم منصورون ؛ وأن الصلح في هذا العام لم يكن لأنهم ضعاف ، أو لأن المشركين أقوياء . ولكنه تم لحكمة يريدها . ولو قاتلهم الذين كفروا لهزموا . فتلك سنة الله حيثما التقى المؤمنون والكافرون في موقعة فاصلة :
( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ، ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا . سنة الله التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ) . .
لولوا الأدبار : لانهزموا وأعطوكم ظهورهم هربا منكم .
22- { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } .
أراد الله أن يحفظ مكة من الحرب يوم الحديبية لعدة أسباب ، وهنا يقول : لو اشتبك كفار مكة معكم في قتال يوم الحديبية ، لانهزموا مولين أدبارهم للمسلمين ، كناية عن الفرار والهرب خوفا من المسلمين ، ثم لا يجد الكفار وليا يساعدهم ويأخذ بأيديهم ، ولا نصيرا ينصرهم بقوة سلاحه وقوة جيشه ، لأنهم يحاربون دين الله ، والله غالب على أمره ، على حد قول القائل :
{ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ } أي من أهل مكة ولم يصالحوكم كما روى عن قتادة ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنهم حليفا أهل خيبر أسد : وغطفان ، وقيل : اليهود وليس بذاك { لَوَلَّوُاْ الادبار } أي لانهزموا فتولية الدبر كناية عن الهزيمة { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحرسهم ، وذكر الخفاجي أن الحارس أحد معاني الولي ، وتفسيره هنا بذلك بمناسبته للمنهزم ، وقال الراغب : كل من ولي أمر آخر فهو وليه ، وعليه فالحارس ولي لأنه يلي أمر المحروس ، والتنكير للتعميم أي لا يجدون فرداً ما من الأولياء { وَلاَ نَصِيراً } ولا فرداً ما من الناصرين ينصرهم ، وقال الإمام : أريد : بالولي من ينفع باللطف وبالنصير من ينفع بالعنف .
{ ولو قاتلكم الذين كفروا } : أي المشركون في الحديبية .
{ لولوا الأدبار } : أي لانهزموا أمامكم وأعطوكم أدبارهم تضربونها .
وقوله { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } أي ومن جملة إنعامه عليكم أنه لو قاتلكم أهل مكة وأنتم ببطنها لنصركم الله عليهم ولانهزموا أمامكم مولينكم ظهورهم ولا يجدون وليّاً يتولاهم بالدفاع عنهم ولا نصاراً ينصرهم لأنا سلطناكم عليهم .
{ 22-23 } { وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }
هذه بشارة من الله لعباده المؤمنين ، بنصرهم على أعدائهم الكافرين ، وأنهم لو قابلوهم وقاتلوهم { لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا } يتولى أمرهم ، { وَلَا نَصِيرًا } ينصرهم ويعينهم على قتالكم .
قوله : { ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار } يخبر الله عباده المؤمنين من أهل بيعة الرضوان : أنه لو قاتلكم الكافرون لولوا على أدبارهم هاربين منهزمين { ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } لا يجد هؤلاء الهاربون المنهزمون الذين ولوكم أدبارهم وأعجازهم {[4264]} وليا يواليهم ضدكم ولا نصيرا يؤيدهم أو يعينهم عليكم ، فإن الله معكم ولن يخذلكم .
ويستفاد من الآية أن الغلبة دائما للمسلمين الصادقين المتقين . وذلكم قضاء إلهي حكم الله فيه أن تكون الدائرة على الكافرين المعتدين ، الذين يعتدون على المسلمين الصالحين . فكلما تربص المجرمون بالمسلمين ظلما واضطغانا أو عزموا على النيل منهم وإيذائهم بالباطل والعدوان ، رد الله كيدهم في نحورهم وهيأ لهم من أسباب البطش والانتقام ما يدمر عليهم أو يدفع مكائدهم واعتداءاتهم ، إلا أن يكون المسلمون لاهين غافلين موغلين في النسيان واللهو وزينة الحياة الدنيا . أو مزقهم الانشقاق والخلافات ما بينهم فكانوا مفرقين أشتاتا . أولئك لا يجد الكافرون المعتدون ما يحول دون الانقضاض عليهم لتدميرهم والقضاء عليهم .