وبينما المشهد معروض يتغير السياق من الحكاية والوصف إلى الخطاب والمواجهة . ويوجه القول إليهم بالتأنيب والتبكيت :
( فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ) . .
لا الملائكة يملكون للناس شيئاً . ولا هؤلاء الذين كفروا يملك بعضهم لبعض شيئاً . والنار التي كذب بها الظالمون ، وكانوا يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، ها هم أولاء يرونها واقعاً لا شك فيه :
( ونقول للذين ظلموا : ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون )
وبهذا تختم الجولة مركزة على قضية البعث والحساب والجزاء كسائر الجولات في هذه السورة .
قوله جل ذكره : { فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } .
الإشارة في هذا أنّ مَن علقَ قلبه بالأغيار ؛ وظنّ صلاحَ حاله بالاحتيال ؛ والاستعانة بالأمثال والأَشكال ينزعُ اللَّهُ الرحمةَ من قلوبهم ؛ ويتركهم ، ويشوشُ أحوالهم ، فلا لهم من الأَمثال والأشكال معونة ، ولا لهم منْ عقولهم في أُمورهم استبصار ، ولا إلى الله رجوع ، وإنْ رجعوا لا يرحمهم ولا يجيبهم ، ويقول لهم : ذوقوا وبالَ ما به استوجبتم هذه العقوبة .
{ فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } .
فاليوم لا يملك بعضكم ببعض : فاليوم لا يملك العابدون للمعبودين .
للذين ظلموا : أشركوا غير الله في عبادته ، من الملائكة والأنبياء ، أو الأولياء والصالحين .
فاليوم يوم القيامة لا يملك العابدون للعابدين نفعا ولا ضرا ، ولا شفاعة ولا نصرا إذ الملك لله وحده ، وقد تحقق العابدون للأصنام والجن والملائكة وكل ما سوى الله باليأس والإفلاس وانقطاع الأمل ، ويقال للمشركين الذين كذبوا بالبعث والحساب والجزاء ادخلوا جهنم وصلوا عذابها وذوقوا لهيبها تلك التي كنتم تكذبون بها في الدنيا .
فلما تبرأوا منهم ، قال تعالى [ مخاطبا ] لهم : { فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } تقطعت بينكم الأسباب ، وانقطع بعضكم من بعض . { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } بالكفر والمعاصي - بعد ما ندخلهم النار - { ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } فاليوم عاينتموها ، ودخلتموها ، جزاء لتكذيبكم ، وعقوبة لما أحدثه ذلك التكذيب ، من عدم الهرب من أسبابها .
{ فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 42 ) }
ففي يوم الحشر لا يملك المعبودون للعابدين نفعًا ولا ضرًّا ، ونقول للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي : ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الملك فى يوم الحساب له وحده فقال : { فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } .
أى : فاليوم لا يملك أحد من المعوبدين أن ينفع أحدا من العابدين ، أو أن يضره ، بل الذى يملك كل ذلك هو الله - تعالى - وحده .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن مرد النفع والضر فى هذا اليوم إلى الله - تعالى - وحده ، فالعابدون لا يملكون شيئا ، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا .
{ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } أى : ونقول فى هذا اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق بعبادتهم لغيرنا ، نقول لهم { ذُوقُواْ } فظاعة وشدرة عذاب النار التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا ، وتنكرون أن يكون هناك بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب .
قوله : { فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا } ذلك تيئيس للمشركين الذين عبدوا الملائكة أو غيرهم من الأنداد ؛ فإنهم يوم القيامة لا منجاة لهم من العذاب وسوء المصير ، وفي هذه الآية يقول الله للملائكة يوم القيامة : اليوم لا ينفعكم الذين كانوا يعبدونكم من المشركين ولا يضرونكم ولا أنتم تملكون لهم أيما نفع أو ضر . فقد فات وقت العمل ، وإنما اليوم حساب ولا عمل { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } يقول الله للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله واتخاذهم أندادا وشركاء من دون الله { ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } يقال لهم ذلك على سبيل التقريع والتعنيف ، وزيادة في التنكيل والتعذيب{[3822]}