في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ} (21)

14

ومن قدرة الله على كل شيء : تعذيبه لمن يشاء ورحمته لمن يشاء ، وإليه وحده المآب ؛ لا يعجزه أحد ، ولا يمتنع عليه أحد :

( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ، وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء . وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) . .

والعذاب والرحمة يتبعان مشيئة الله ؛ من حيث أنه بين طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وخلق للإنسان من الاستعداد ما يختار به هذا أو ذاك ، ويسر له الطريقين سواء ، وهو بعد ذلك ، وما يختار غير أن اتجاهه إلى الله ورغبته في هداه ، ينتهيان به إلى عون الله له - كما كتب على نفسه - وإعراضه عن دلائل الهدى وصده عنها يؤديان به إلى الإنقطاع والضلال . ومن ثم تكون الرحمة ويكون العذاب .

( وإليه تقلبون ) . .

تعبير عن المآب فيه عنف ، يناسب المعنى بعده :

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ} (21)

أجناسُ ما يعذِّبُ به عبادَه وأنواعُ ما يرجم به عباده . . لا نهاية لها ولا حَصْر ؛ فَمِنْ ذلك أنه يعذِّب من يشاء بالخذلان ، ويرحم من يشاء بالإيمان . يعذِّب من يشاء بالجحود والعنود ، ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود . يعذب من يشاء بالحِرْضِ ويرحم من يشاء بالقناعة . يعذِّب من يشاء بتفرقة الهمِّ ويرحم من يشاء بجَمْعِ الهِمَّة . يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير ، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير . يعذب من يشاء بالاختيار من نَفْسِه ، ويرحم من يشاء برضاه بحُكْم ربِّه . يعذب من يشاء بإعراضه عنه ، ويرحم من يشاء بإقباله عليه . يعذب من يشاء بأن يَكِلَه ونَفْسَه ، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحُسْنِ تولِّيه . يعذب من يشاء بحبِّ الدنيا ويمنعها عنه ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبَسْطِها عليه . يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة ، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة . . . وأمثال هذا كثير .