ولهذا قال : { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } وسياقها على وجه الامتنان ، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النوابت الإباحة ، فلا يحرم منهم إلا ما كان مضرا ، كالسموم ونحوه .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } أي : لذوي العقول الرزينة ، والأفكار المستقيمة على فضل الله وإحسانه ، ورحمته ، وسعة جوده ، وتمام عنايته ، وعلى أنه الرب المعبود ، المالك المحمود ، الذي لا يستحق العبادة سواه ، ولا الحمد والمدح والثناء ، إلا من امتن بهذه النعم ، وعلى أنه على كل شيء قدير ، فكما أحيا الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيي الموتى .
وخص الله أولي النهى بذلك ، لأنهم المنتفعون بها ، الناظرون إليها نظر اعتبار ، وأما من عداهم ، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة ، والأنعام السائمة ، لا ينظرون إليها نظر اعتبار ، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها ، بل حظهم ، حظ البهائم ، يأكلون ويشربون ، وقلوبهم لاهية ، وأجسامهم معرضة . { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله {[49326]}حالاً من فاعل { أخرجنا }{[49327]} : { كلوا } أي ما دبره لكم بحكمته منها { وارعوا } {[49328]}أي سرحوا في المراعي{[49329]} { أنعامكم } ما أحكمه لها ولا يصلح لكم ، {[49330]}فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيماً لهم ، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم ، ولا يقدرون على أكله{[49331]} ، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعاً بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملاً لكل ما يحتاجه من فيه {[49332]}لما خلقهم له{[49333]} من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها ، وتباين أصنافها ، وتباعد أوصافها ، وعلى كثرتهم ، وتنائي أمزجتهم ، ولم يدعه ناقصاً من شيء من ذلك بخلاف غيره ، فإنه لو عمل شيئاً واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه نقص ويصير يسعى في إزالته وقتاً بعد وقت .
ولما كمل هذا البرهان القويم ، دالاً على العليم الحكيم ، قال منبهاً على انتشار أنواره ، وجلالة مقداره ، {[49334]}مؤكداً لأجل إنكار المنكرين{[49335]} : { إن في ذلك } أي الإنشاء على هذه الوجوه المختلفة { لآيات } على منشئه { لأولي النهى * } العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغيّ ، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلاً لأن عقله لم ينفعه ، وما لا ينفع في حكم العدم ، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة{[49336]} لزيد بن عمرو بن نفيل ، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت{[49337]} :
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة *** بعثت إلى موسى رسولاً منادياً
فقلت {[49338]}ألا يا{[49339]} اذهب وهارون فادعوا *** إلى الله فرعون الذي كان باغيا{[49340]}
فقولا له آأنت سويت هذه *** بلا وتد حتى استقلت{[49341]} كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه *** بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها *** منيراً إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من {[49342]}يخرج الشمس بكرة{[49343]} *** فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى *** فيخرج{[49344]} منه البقل يهتز رابيا
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.