{ 9 - 12 } { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى }
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام التقريري والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } في حاله التي هي مبدأ سعادته ، ومنشأ نبوته ، أنه رأى نارا من بعيد ، وكان قد ضل الطريق ، وأصابه البرد ، ولم يكن عنده ما يتدفأ به في سفره .
ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف ، أرشد ذلك إلى أن المعنى : هل تعلم له سمياً ، أي متصفاً بأوصافه أو بشيء منها له بذلك{[48951]} الوصف مثل فعله ، ولما كان الجواب قطعاً : لا ، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه ، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام ، أويكون التقدير : هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك ، وتفخيم أمرك ، بتكثير أتباعك ، وعطف عليه القصة شاهداً محسوساً على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى ، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة ، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد ، والتمكين في أقطار البلاد ، وكثرة الأتباع ، وإعزاز الأنصار {[48952]}والوزراء{[48953]} والأشياع ، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت ، فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليُقبس أهله منها ناراً أو يجد عندها هدى .
فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح ، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره{[48954]} أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك اجتذاباً من الحق له قبل النبوة بمدد ، تدريباً له وتقوية لقلبه ، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر{[48955]} ، وإلى أوجها {[48956]}بعزمه صائر بل طائر{[48957]} ، وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا و اليد ، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر{[48958]} إلا سلم عليه ، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة . وروى مسلم{[48959]} وغيره{[48960]} عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث " فقال تعالى مقرراً{[48961]} تنبيهاً على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه ، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم وغشوا قريشاً حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم و{[48962]}عليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم : { وهل أتاك } أي يا أشرف الخلق ! { حديث موسى* } {[48963]}نادباً إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد{[48964]} ، وشارحاً بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم ، ومقرراً بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه ، ويعزه على جميع شانئيه{[48965]} بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له ، كما أعز موسى عليه السلام من خرج{[48966]} من بلادهم خائفاً يترقب ، ترغيباً في الهجرة ثالثاً بعد ما رغب فيها أولاً بقصة أصحاب الكهف و{[48967]}ثانياً بقصة أبيه{[48968]} إبراهيم عليه السلام ، وأنه{[48969]} يعلي قومه على جميع أهل الأرض ، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض ، ويذل بهم الجبابرة ، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم{[48970]} موسى ، وأشار بإنجاء موسى عليه السلام على يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه ، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم ، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كاد{[48971]} يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفاً ، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من قوله{ فنسي ولم نجد له عزماً }[ طه : 115 ] وقوله{ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى }[ طه : 122 ] ولعله أشار بقوله{ واحلل عقدة من لساني }[ طه : 27 ] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر{[48972]} بلسانه ، وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيراً من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين ، فأيده بأعظم وزير : عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا ، إتماماً لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشاً أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح ، وما ذكر معها من دقائق ، من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم ، منها أن الموعد كان يوم الزينة ، ومنها إيمان السحرة إيماناً كاملاً ، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل ، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول ، فإني لم أر أحداً من اليهود يعرف ذلك ، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وما منحه وأعطاه ، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به ، وأعقب ذلك بقوله تعالى{ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم }[ مريم : 58 ] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية ، والدرجات المنيفة الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً }[ مريم : 59 ] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى{[48973]} فقال { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } وأيضاً فقد ختمت سورة مريم بقوله { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً } بعد قوله { وتنذر به قوماً لداً } وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم . ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير{[48974]} إيمانهم ، ولذلك قيل له{[48975]} { فلا تحزن عليهم } فكأنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه{[48976]} يستصعب المقصود من استجابتهم ، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة ، فبشره سبحانه وتعالى بقوله : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم ، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له{[48977]} في موضع آخر{ فلا يحزنك قولهم }[ يونس : 65 ] ثم أتبع ذلك سبحانه تعريفاً وتأنيساً بقوله { الرحمن على العرش استوى } إلى أول قصص موسى عليه السلام ، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه ، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه . فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره ، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام ، وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم ، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل ، وكل هذا مما يؤكد{[48978]} القصد{[48979]} المتقدم ، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - والله أعلم ، انتهى .