وحين تنتهي هذه الجولة ، فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم ، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية . تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم ، وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم :
الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ؛ وإذا يتلى عليهم قالوا : آمنا به ، إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين . أؤلئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ، ويدرأون بالحسنة السيئة ، ومما رزقناهم ينفقون ؛ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا : لنا أعمالنا ، ولكم أعمالكم ، سلام عليكم ، لا نبتغي الجاهلين . .
قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قرأ عليهم : " ( يس والقرآن الحكيم )حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ؛ ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . . . إلخ " . . .
وروى محمد بن إسحاق في السيرة : " ثم قدم على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه ، وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مساءلة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى ، وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام ، في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال ? ما نعلم ركبا أحمق منكم ! فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيرا " .
قال : ويقال : إن النفر النصارى من أهل نجران . فالله أعلم أي ذلك كان . قال : ويقال والله أعلم : إن فيهم نزلت هذه الآيات : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . . . إلخ .
قال : وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت ? قال : ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه - رضي الله عنه - والآيات اللاتي في سورة المائدة : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا . . . إلى قوله - فاكتبنا مع الشاهدين .
وأيا من كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات ، فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع ، يعلمونه ولا ينكرونه . كي يقفهم وجها لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن ، وتطمئن إليه ، وترى فيه الحق ، وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب . ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء ؛ وتحتمل في سبيل الحق الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء ، وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء .
( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) . .
وهذه إحدى الآيات على صحته ، فالكتاب كله من عند الله ، فهو متطابق ، ومن أوتي أوله عرف الحق في آخره ، فاطمأن له ، وآمن به ، وعلم أنه من عند الله الذي نزل الكتاب كله .
{ 52-55 } { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ }
يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه ، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق ، { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ } وهم أهل التوراة ، والإنجيل ، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا { هُمْ بِهِ } أي : بهذا القرآن ومن جاء به { يُؤْمِنُونَ }
قوله تعالى : " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " أخبر أن قوما ممن أوتوا الكتاب من بني إسرائيل من قبل القرآن يؤمنون بالقرآن ، كعبد الله بن سلام وسلمان ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى ، وهم أربعون رجلا ، قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة ، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة ، وثمانية نفرا أقبلوا من الشام ، وكانوا أئمة النصاري : منهم بحيرا الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع كذا سماهم الماوردي ، وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " قاله قتادة . وعنه أيضا نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي ، أسلموا ، فنزلت فيهم هذه الآية . وعن رفاعة القرظي : نزلت في عشرة أنا أحدهم . وقال عروة بن الزبير : نزلت في النجاشي وأصحابه ووجه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه ، فقال لهم : خيبكم الله من ركب ، وقبحكم من وفد ، ولم تلبثوا أن صدقتموه ، وما رأينا ركبا أحمق منكم ولا أجهل ، فقالوا : " سلام عليكم " لم نأل أنفسنا رشدا " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " [ البقرة : 139 ] وقد تقدم هذا في " المائدة " {[12375]} عند قوله " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول " [ المائدة : 83 ] مستوفى . وقال أبو العالية : هؤلاء قوم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث . وقد أدركه بعضهم . " من قبله " أي من قبل القرآن وقيل : من قبل محمد عليه السلام " هم به " أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام " يؤمنون " .
ولما كان من التذكر ما دل عليه مجرد العقل ، ومنه ما انضم إليه مع ذلك النقل ، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر ، وكان كأنه قيل : هل تذكروا ؟ قيل : نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا حقاً ، وذلك معنى قوله : { الذين آتيناهم } أي بعظمتنا التي حفظناهم بها { الكتاب } أي العلم من التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء ، وهم يتلون ذلك حق تلاوته ، في بعض الزمان الذي كان { من قبله } أي القرآن { هم } أي خاصة { به } أي القرآن ، لا بشيء مما يخالفه { يؤمنون* } أي يوقعون الإيمان به في حال وصوله إليهم إيماناً لا يزال يتجدد ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.