وفي النهاية يجيء التعقيب الأخير على القصة :
( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ، وإنك لمن المرسلين ) . .
تلك الآيات العالية المقام البعيدة الغايات ( نتلوها عليك ) . . الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتلوها وهو أمر هائل عظيم حين يتدبر الإنسان حقيقته العميقة الرهيبة . . ( نتلوها عليك بالحق ) . . تحمل معها الحق . ويتلوها من يملك حق تلاوتها وتنزيلها ، وجعلها دستورا للعباد . وليس هذا الحق لغير الله سبحانه . فكل من يسن للعباد منهجا غيره إنما هو مفتات على حق الله ، ظالم لنفسه وللعباد ، مدع ما لا يملك ، مبطل لا يستحق أن يطاع . فإنما يطاع أمر الله . وأمر من يهتدي بهدى الله . . دون سواه . .
ومن ثم نتلو عليك هذه الآية ؛ ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع أعصارها ؛ وتجارب الموكب الإيماني كله في جميع مراحله ، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين . .
بهذا ينتهي هذا الدرس القيم الحافل بذخيرة التجارب . وبهذا ينتهي هذا الجزء الذي طوف بالجماعة المسلمة في شتى المجالات وشتى الاتجاهات ؛ وهو يربيها ويعدها للدور الخطير ، الذي قدره الله لها في الأرض ، وجعلها قيمة عليه ، وجعلها أمة وسطا تقوم على الناس بهذا المنهج الرباني - إلى آخر الزمان .
{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين( 252 ) }
تلك القصة من العبر التي نقصها عليك بالصدق لتكون أسوة لك ودليلا على صدق رسالتك ، ولتعلم أننا سننصرك كما نصرنا من قبلك من الرسل .
{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين }
أي تلك الآيات التي حدثناك فيها عن قصة أولئك القوم وما جرى لهم من آيات الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، نتلوها عليك يا محمد عن طريق جبريل تلاوة ملتبسة بالحق الثابت الذي لا يحوم حوله الباطل . وإنك يا محمد لمن المرسلين أرسلك الله كما أرسلهم ومن ثم نتلو عليك هذه الآيات ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع عصورها ، وتجارب الموكب الإيماني كله في جميع مراحله ونورثك ميراث المرسلين .
وبعد ، فهذه القصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى وأن فيها لعبرا متعددة ، وعظات متنوعة ليقوم يعقلون . ومن العبر التي تؤخذ منها :
1- أن الشعور بالظلم والهوان وللابتلاء بالمحن والهزائم والوقوع تحت أيدي المعتدين كل ذلك من شأنه أن يصهر النفوس الحرة الكريمة وأن يدفعها بقوة إلى الذود عهن كرامتها المسلوبة ، وعزتها المغصوبة حتى تنال حقها ممن سلبه منها أو تموت دونه ، لأن النفوس الأبية تشعر دائما بأن الموت مع العزة خير من الحياة مع الذلة ، يدل على ذلك قوله تعالى : { ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا }( البقرة : 246 ) .
2- أن الناس في كل زمان ومكان يلجئون خصوصا عندما تنزل بهم الشدائد إلى من يتوسمون فيهم الخير والصلاح ، لكي يرشدوهم إلى ما يأخذ بيدهم إلى طريق السعادة ، ولكي يهدوهم إلى أفضل السبل التي تنقذهم مما هم فيه من بلاء ، ولكي يختاروا لهم من يقودهم إلى النصر والفلاح ، ألا ترى إلى الملأ من بني إسرائيل كيف لجئوا إلى نبي لهم ليقولوا له بعد أن أصابهم من الذل ما أصابهم : { ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } . إنهم لم يلجئوا إلى نبيهم يبثون إليه شكواهم ويطلبون منه أن يختار لهم من يقودهم للقتال في سبيل الله إلا لأنهم يرون فيه الأمل المرتجي والعقل السليم والخلق القويم والأسوة الحسنة .
3- أن القائد يجب أن تتوفر فيه صفتان : قوة العقل وقوة الجسم ، لأنه متى توافرت فيه هاتان الصفتان استطاع أن يقوم بقيادة أتباعه بنجاح ، وأنه قبل أن يلتقي بأعدائه يجب عليه أن يختبر جنده ليعرف مبلغ إيمانهم وقوتهم وطاعتهم وثباتهم ، وألا يكلفهم ما لا يستطيعونه حتى يحارب أعداء وهو على بينة من أمره . أنظر إلى طالوت كيف اختبر جنده قبل أن يخوض المعركة بأن قال لهم : { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة واحدة بيده . . } وهكذا القواد العقلاء يقدمون على حرب عدائهم وهم على بصيرة من أمرهم .
4- أن الفئة القليلة المؤمنة كثيرا ما تنصر على الفئة الكبيرة الكافرة ، لأنة المؤمنين الصادقين يحملهم إيمانهم على اليقين بلقاء الله وعلى التضحية من أجل إعلاء كلمته ، وعلى الإقدام الذي يرعب الكافرين ويخيف الفاسقين وصدق الله إذ يقول : { كم ممن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } .
5- أن هزائم الأمم يمكن إزالتها متى توافر لتلك الأمم القادة العقلاء الأقوياء ، والجند الأشداء على أعدائهم الرحماء فيما بينهم ، وأن من شأن المؤمنين حقا أنهم مباشرتهم للأسباب وإحكامهم لكل ما يحتاج إليه القتال ، وإحسانكم لكل وسيلة تعينهم على النصر مع كل ذلك لا يغترون ولا يتطاولون بل يعتمدون على الله تعالى اعتمادا تاما ، ويتجهون إليه بالضراعة والدعاء ويلتمسون منه النصر على أعدائه وأعدائهم انظر إلى الصفوة المؤمنة من جند طالوت ماذا قالت عندما برزت لجالوت وجنوده لقد قالت كما حكى القرآن عنها : { ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا على القوم الكافرين*فهزموهم بإذن الله . . . }
6- أن من سنن الله في خلقه أنه سبحانه جعل الحياة صراعا دائما بين الحق والباطل ، ونزاعا موصولا بين الأخيار والأشرار ولولا أن الله يدفع بعض الناس الفاسقين ببعض الناس الصالحين لفسدت الأرض ، لأن الفاسقين لو تركوا من غير أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم في الأرض ولكنه سبحانه أعطى لعباده الصالحين من القوة والثبات ما جعلهم يقاومون الظالمين ويعملون على نشر الخير والصلاح بين الناس .
7- أن القصة الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من نقض العهد وكذب في القول : فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم . ومن تطاول على أنبيائهم وعصيان لأوامرهم واعتراض على توجيهاتهم وتفضيل للجاه والمال على العقل والعلم : { قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } . ومن خور الابتلاء والاختبار ، وحماس في ساعة السلم ونكوص في ساعة الجد ، تأمل قوله تعالى :
{ فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } .
ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات ، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله ، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله ، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله : { تلك } أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم{[11970]} ، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة و{[11971]}لا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة { آيات الله } أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته{[11972]} ، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم{[11973]} للذات جامعة لصفات الكمال والجمال{[11974]} ونعوت الجلال لفت القول{[11975]} إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي{[11976]} فقال : { نتلوها } أي ننزلها شيئاً في إثر شيء {[11977]}بما لنا من العظمة{[11978]} { عليك } تثبيتاً لدعائم الكتاب الذي{[11979]} هو الهدى ، وتشييداً{[11980]} لقواعده{[11981]} { بالحق } قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق للواقع ، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب ، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع . وفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع . ومعنى حقيته{[11982]} مطابقة الواقع إياه - انتهى . فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا{[11983]} بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص ، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها ، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه ، ويكون الخبر عنها صدقاً لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر ، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون{[11984]} حقاً ، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع ، فإنه{[11985]} ينظر إلى الخبر{[11986]} ، فإن وجده مطابقاً للواقع قال : هذا صدق ، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك{[11987]} هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى{ والذي جاء بالصدق وصدق به{[11988]} }[ الزمر : 33 ] وقوله
{ قال فالحق والحق أقول{[11989]} }[ ص : 84 ] { بل جاء بالحق وصدق المرسلين{[11990]} }[ الصافات : 37 ] و{ هو الحق مصدقاً لما بين يديه{[11991]} }[ فاطر : 31 ] ، وكذا{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق{[11992]} }[ الحجر : 85 ] أي أن هذا الفعل وهو {[11993]}خلقنا لها{[11994]} لسنا متعدين فيه ، وهذا{[11995]} الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه{[11996]} بمعنى أنه كان علينا أن نزيد{[11997]} فيها شيئاً وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص{[11998]} عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو{[11999]} بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه{[12000]}
الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب{[12001]} الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه ، وقوله
( وآتيناك بالحق وإنا لصادقون{[12002]} }[ الحجر : 64 ] أي أتيناك{[12003]} بالخبر{[12004]} بعذابهم وهو ثابت ، لأن مضمونه إذا وقع فنسبتَه إلى الخبر{[12005]} علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه ، أي نسبنا{[12006]} وقوع العذاب إليهم{[12007]} نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقاً له فعلمت{[12008]} صدقنا فيه ؛ والذي لا يدع في ذلك لبساً قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام{ قد جعلها ربي حقاً{[12009]} }[ يوسف : 100 ] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها ، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم فهو بنسبة الخبر{[12010]} إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره{[12011]} كان حين إخباره به مطابقاً للواقع ، وأما صدق الرؤيا{[12012]} فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه{[12013]} تأويلها ؛ فإن قيل : تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به ، فهب أنّا اعتبرنا{[12014]} المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته ، قيل{[12015]} إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب ، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك ، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر{[12016]} أحق باسم الصدق ، والواقع طالب{[12017]} لخبر يطابقه ليعرف على{[12018]} ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقاً . وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع ، فإذا{[12019]} كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه ، وإذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به ، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق . ولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى : { وإنك{[12020]} } أي والحال أنك { لمن المرسلين * } بما دلت هذه الآيات عليه{[12021]} من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى{[12022]} الدهر .