في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ} (2)

1

{ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي الله ، وأن الله مخزي الكافرين } . .

فهذا بيان للمهلة التي أجل الله المشركين إليها : أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون ويتاجرون ويصفون حساباتهم ، ويعدّلون أوضاعهم . . آمنين . . لا يؤخذون على غرة وهم آمنون إلى عهودهم . حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم ، وعند أول توقع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك ؛ وأن الروم سيأخذونهم أسرى ! كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون ! ومتى كان ذلك ؟ كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تنقض ؛ وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا . . وفي أي عصر تاريخي ؟ في العصر الذي لم تكن البشرية كلها تعرف لها قانوناً إلا قانون الغابة ؛ ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه ! بلا إنذار ولا إخطار ولا رعاية لعهد متى سنحت الفرصة ! . ولكن الإسلام هو الإسلام منذ ذلك الزمان . . ذلك أنه منهج الله الذي لا علاقة له بالزمان في أصوله ومبادئه . فليس الزمان هو الذي يرقيه ويطوره ؛ ولكنه هو الذي يرقي البشرية ويطورها حول محوره وداخل إطاره ؛ بينما هو يواجه واقعها المتطور المتغير - بتأثيره - بوسائل متجددة ومكافئة لما يطرأ عليها في أثناء تحركه بها قدماً من تطور وتغير .

ومع المهلة التي يعطيها للمشركين يزلزل قلوبهم بالحقيقة الواقعة ؛ ويوقظهم إلى هذه الحقيقة ليفتحوا عيونهم عليها . إنهم بسياحتهم في الأرض لن يعجزوا الله في الطلب ! ولن يفلتوا منه بالهرب ! ولن يفلتوا من مصير محتوم قدره وقرره : أن يخزيهم ويفضحهم ويذلهم :

{ واعلموا أنكم غير معجزي الله ، وأن الله مخزي الكافرين } . .

وإلى أين يفلتون ويهربون فيعجزون الله عن طلبهم والإتيان بهم ؛ وهم في قبضته - سبحانه - والأرض كلها في قبضته كذلك ؟ ! وقد قدر وقرر أن يذلهم فيخزيهم ولا راد لقضائه ؟ !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ} (2)

المفردات :

فسيحوا في الأرض : فسيروا فيها أحرارا .

غير معجزي الله : أي : غير مفلتين من انتقامه .

مخزى الكافرين : مذلهم في الدنيا والآخرة .

التفسير :

2 – { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } .

أي : فسيروا في الأرض آمنين على أنفسكم من قتال المسلمين منذ أربعة أشهر ، لا تتعرضون للإيذاء فيها ، { واعلموا أنكم غير معجزي الله } . أي : واعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ، ولكن لمصلحة ؛ ليتوب من أراد التوبة ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال ، إذا أصروا على شركهم وعداوتهم ، وهذا منتهى التسامح . والإنذار حكمته ألا يتهم المسلمون بأخذهم الأعداء فجأة على غرة .

{ وأن الله مخزي الكافرين } : في الدنيا بالهزيمة ، وفي الآخرة بسوء العذاب ، وقد علم من الآية الكريمة أن الناكثين لعهودهم ، يمهلون أربعة أشهر ، سواء أكانت مدتهم كذلك أم أقل منها أم أكثر ، وابتداء هذا الأجل من يوم الحج الأكبر ، أي : من العاشر من ذي الحجة ، إلى العاشر من ربيع الآخر سنة عشر للهجرة .

ويتصل بهذه الآية ما يأتي :

1 – عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة يوفق عليه أصحاب الرأي والاختصاص ، ثم يباشرها الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة .

2 – متى رأى الإمام مصلحة الأمة في نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد جاز له ذلك ، كأن خيف منهم خيانة ، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة ، أو وضعت على غير شرط احترامها الشرعي .

قال تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } . ( الأنفال : 58 ) .

3 – الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر ما يأتي :

هذه هي المدة التي كانت تكفي – إذ ذاك بحسب ما يألفون – لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض ، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور ، والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهي ، في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة .

على أنا نجد القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا في غير هذا ، فمدة إيلاء الرجل من زوجته أربعة أشهر ، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر ، ولعل ذلك ؛ لأنها المدة التي تكفي بحسب طبيعة الإنسان ، لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر ، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام ، وتقرر مبدإ الهدنة والصلح في الإسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون4 ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله . . . }( الأنفال : 61 ) .

وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام ، وأرباب الشورى المقررة في قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } . ( آل عمران : 159 ) .

ونلاحظ أن مدة الهدنة في صلح الحديبية كانت عشر سنين ، ومدتها هنا كانت أربعة أشهر ، وذهب الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين : أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف ؛ فقد جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف ؛ لم تجز الزيادة على أربعة أشهر5 . اه .

والأولى أن نقول : إن تقدير مدة الهدنة بين المسلمين وأعدائهم يترك تحديده إلى أهل الحل والعقد ، بما يتفق مع المصلحة العامة ؛ لأن هذا من الأمور المتغيرة بحسب الزمان والمكان ، خصوصا بعد التطور المستمر في وسائل الحرب وعدتها وطبيعتها .

/خ4

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ} (2)

ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم ، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام ، جعل لهم مخلصاً إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم لأنهم{[35552]} في قبضته ، فقال مخاطباً لهم ولكل مشرك مسبباً عن البراءة : { فسيحوا } والسياحة : الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من الطعام ، والشراب ، ولذلك يقال للصائم : سائح : والمراد هنا مطلق السير .

ولما كانت السياحة تطلق على غيره ، حقق المعنى بقوله : { في الأرض } أي في أيّ جهة شئتم { أربعة أشهر } أي من{[35553]} أيام الحج ، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر ، تأمنون{[35554]} فيها مناً لا نعرض لكم بسوء ، بل تذهبون فيها حيث شئتم ، أو ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم{[35555]} ، لأن ديننا مبني على المحاسن ، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم ، ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر " وعن أيّ نفس بعد نفسي أقاتل " فإذا نقضت الأربعة الأشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا .

ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفياً ، وقوي بعد أن كان ضعيفاً ، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولاً لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال : { واعلموا أنكم } أي{[35556]} أيها الكفرة وإن كثرتم { غير معجزي الله } لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر على كل ممكن { وأن الله } أي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام { مخزي الكافرين* } أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق بذلك ، ولا يبدل القول لديه ، والإخزاء : الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار -{[35557]} . وأظهر الوصف موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم به ؛ ولعل الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدباً على قريب أو عشير فهو منهم ، وقد برئت منه الذمة ، فلينج بنفسه ولا نجاء له ، أو{[35558]} يكون لا ستعطاف الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب .


[35552]:في ظ: بأنهم.
[35553]:زيد من ظ.
[35554]:من ظ، وفي الأصل: يأمنون.
[35555]:في ظ: لا نقدركم.
[35556]:سقط من ظ.
[35557]:زيد من ظ.
[35558]:في ظ "و".