{ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي الله ، وأن الله مخزي الكافرين } . .
فهذا بيان للمهلة التي أجل الله المشركين إليها : أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون ويتاجرون ويصفون حساباتهم ، ويعدّلون أوضاعهم . . آمنين . . لا يؤخذون على غرة وهم آمنون إلى عهودهم . حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم ، وعند أول توقع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك ؛ وأن الروم سيأخذونهم أسرى ! كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون ! ومتى كان ذلك ؟ كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تنقض ؛ وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا . . وفي أي عصر تاريخي ؟ في العصر الذي لم تكن البشرية كلها تعرف لها قانوناً إلا قانون الغابة ؛ ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه ! بلا إنذار ولا إخطار ولا رعاية لعهد متى سنحت الفرصة ! . ولكن الإسلام هو الإسلام منذ ذلك الزمان . . ذلك أنه منهج الله الذي لا علاقة له بالزمان في أصوله ومبادئه . فليس الزمان هو الذي يرقيه ويطوره ؛ ولكنه هو الذي يرقي البشرية ويطورها حول محوره وداخل إطاره ؛ بينما هو يواجه واقعها المتطور المتغير - بتأثيره - بوسائل متجددة ومكافئة لما يطرأ عليها في أثناء تحركه بها قدماً من تطور وتغير .
ومع المهلة التي يعطيها للمشركين يزلزل قلوبهم بالحقيقة الواقعة ؛ ويوقظهم إلى هذه الحقيقة ليفتحوا عيونهم عليها . إنهم بسياحتهم في الأرض لن يعجزوا الله في الطلب ! ولن يفلتوا منه بالهرب ! ولن يفلتوا من مصير محتوم قدره وقرره : أن يخزيهم ويفضحهم ويذلهم :
{ واعلموا أنكم غير معجزي الله ، وأن الله مخزي الكافرين } . .
وإلى أين يفلتون ويهربون فيعجزون الله عن طلبهم والإتيان بهم ؛ وهم في قبضته - سبحانه - والأرض كلها في قبضته كذلك ؟ ! وقد قدر وقرر أن يذلهم فيخزيهم ولا راد لقضائه ؟ !
فسيحوا في الأرض : فسيروا فيها أحرارا .
غير معجزي الله : أي : غير مفلتين من انتقامه .
مخزى الكافرين : مذلهم في الدنيا والآخرة .
2 – { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } .
أي : فسيروا في الأرض آمنين على أنفسكم من قتال المسلمين منذ أربعة أشهر ، لا تتعرضون للإيذاء فيها ، { واعلموا أنكم غير معجزي الله } . أي : واعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ، ولكن لمصلحة ؛ ليتوب من أراد التوبة ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال ، إذا أصروا على شركهم وعداوتهم ، وهذا منتهى التسامح . والإنذار حكمته ألا يتهم المسلمون بأخذهم الأعداء فجأة على غرة .
{ وأن الله مخزي الكافرين } : في الدنيا بالهزيمة ، وفي الآخرة بسوء العذاب ، وقد علم من الآية الكريمة أن الناكثين لعهودهم ، يمهلون أربعة أشهر ، سواء أكانت مدتهم كذلك أم أقل منها أم أكثر ، وابتداء هذا الأجل من يوم الحج الأكبر ، أي : من العاشر من ذي الحجة ، إلى العاشر من ربيع الآخر سنة عشر للهجرة .
1 – عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة يوفق عليه أصحاب الرأي والاختصاص ، ثم يباشرها الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة .
2 – متى رأى الإمام مصلحة الأمة في نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد جاز له ذلك ، كأن خيف منهم خيانة ، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة ، أو وضعت على غير شرط احترامها الشرعي .
قال تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } . ( الأنفال : 58 ) .
3 – الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر ما يأتي :
هذه هي المدة التي كانت تكفي – إذ ذاك بحسب ما يألفون – لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض ، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور ، والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهي ، في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة .
على أنا نجد القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا في غير هذا ، فمدة إيلاء الرجل من زوجته أربعة أشهر ، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر ، ولعل ذلك ؛ لأنها المدة التي تكفي بحسب طبيعة الإنسان ، لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر ، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام ، وتقرر مبدإ الهدنة والصلح في الإسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون4 ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله . . . }( الأنفال : 61 ) .
وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام ، وأرباب الشورى المقررة في قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } . ( آل عمران : 159 ) .
ونلاحظ أن مدة الهدنة في صلح الحديبية كانت عشر سنين ، ومدتها هنا كانت أربعة أشهر ، وذهب الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين : أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف ؛ فقد جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف ؛ لم تجز الزيادة على أربعة أشهر5 . اه .
والأولى أن نقول : إن تقدير مدة الهدنة بين المسلمين وأعدائهم يترك تحديده إلى أهل الحل والعقد ، بما يتفق مع المصلحة العامة ؛ لأن هذا من الأمور المتغيرة بحسب الزمان والمكان ، خصوصا بعد التطور المستمر في وسائل الحرب وعدتها وطبيعتها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.