لا تختصموا لدي : لا يجادل بعضكم بعضا عندي .
بالوعيد : على الطغيان في دار الدنيا ، في كتبي ، وعلى ألسنة رسلي .
ما يبدل القول لدي : لا يقع فيه الخلف والتغيير ، فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي .
28- { قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليك بالوعيد } .
قال الله تعالى للكافر وقرينه : لا تتخاصموا ولا تتجادلوا عندي وأمامي ، فكل واحد منكما يريد أن يلقي بالتبعة على الآخر ، لقد قدمت إليكم بالوعيد والإنذار بالعذاب للمخالفين على ألسنة رسلي ، وفي ثنايا كتبي ورسالاتي ، وقامت عليكم الحجج والبراهين ، والمراد : إن اعتذاركم الآن غير نافع .
قال الله تعالى مجيبًا لاختصامهم : { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } أي : لا فائدة في اختصامكم{[833]} عندي ، { و } الحال أني قد { قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } أي : جاءتكم رسلي بالآيات البينات ، والحجج الواضحات ، والبراهين الساطعات ، فقامت عليكم حجتي ، وانقطعت حجتكم ، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها .
ولما كان كأنه قيل : بم يجاب عن هذا ؟ وهل يقبل منه ؟ قيل : لا { قال } أي الملك المحيط علماً وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل : { لا تختصموا } أي لا توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد { لديَّ } أي في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير ، وأعجب بما يدرك حق الإدراك ، فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة ، ففات بانكشافها نفع إيمان جديد { وقد } أي والحال أنه قد { قدمت } أي تقدمت ، أي أمرت وأوصيت قبل هذا الوقت موصلاً ومنهياً { إليكم } أي كل ما ينبغي تقديمه حتى لم يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه ، وجعلت ذلك رفقاً بكم ملتبساً{[61213]} { بالوعيد * } أي التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفران والعدوان في الوقت الذي كانت فيه هذه-{[61214]} الحضرة التي هي غيب الغيب ومستورة بستائر الكبرياء والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب مستوراً ، فكان الإيمان به نافعاً .
قوله : { لا تختصموا لدي } بعد أن يختصم الآدمي الظالم لنفسه ، وقرينه الشيطان إذ يقول الأول : هذا الذي أضلني عن الذكر ، ويتبرأ منه الآخر ، يقول الرب جل وعلا : { لا تختصموا لدي } يخاطب بذلك المشركين الخاسرين وقرناءهم من الشياطين الذين أضلوهم { وقد قدمت إليكم بالوعيد } يعني وقد أعذرت إليكم بما بينته لكم من البراهين والدلائل مما حوته الكتب المنزلة وما جاء به النبيون المرسلون الذين أنذروكم لقاء يومكم هذا .