ويشير إلى موسى وكتابه واختلاف قومه في هذا الكتاب . يشير إليه نموذجاً للرسل الذين ورد ذكرهم من قبل إجمالاً . وقد أجل الله حكمه في اختلافهم ، وسبقت كلمته أن يكون الفصل في هذا كله في يوم الفصل العظيم :
( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ، وإنهم لفي شك منه مريب ) . .
لفي شك منه مريب : لفي شك يقضي الإضطراب والقلق .
45-{ ولقد آيتنا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب } .
تأتي هذه الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه له ، كما قال سبحانه : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل . . . }( الأحقاف : 35 ) .
أعطينا موسى التوراة فآمن فريق بها وكذّبها فريق ، كما فعل قومك مع القرآن ، ولولا أن الله جلّت حكمته قد قضى بأن يمهل الناس ويعطيهم فرصة كافية لاستخدام عقولهم ، وتسخير مواهبهم ، واستعادة تفكيرهم ، لعلّهم أن يتوبوا ويراجعوا ضمائرهم ، فيستغفروا ويتوبوا ويرجعوا إلى ربهم ، وإلى الإيمان بكتبه المنزّلة ، لولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا بعذاب الاستئصال .
قال تعالى : { وربك الغفور ذو الرحمة لم يؤاخذكم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } . ( الكهف : 58 ) .
وقال سبحانه : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى . . . } . ( فاطر : 45 ) .
أي : إن قومك من كفار مكة في شك وتوجُّس وخوف من هذا القرآن ، مُوقع لهم في أشد الريبة والاضطراب ، حيث كان أغنياء مكة يستمتعون بالمال والخمر والغناء والقيان ، ويرون أنهم من جنس أفضل قدرا ، وأعلى منزلة من الفقراء والعبيد .
وكان القرآن يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، ويبيّن أن الناس جميعا من آدم ، وهم يتفاضلون عند الله بالتقوى والأعمال الصالحة ، كم حرّم القرآن الخمر والميسر والزنا والفواحش ، وحثّ على الصدقة والإحسان وإكرام اليتيم ومساعدة الضُّعفاء والمحتاجين .
ومن أجل ذلك توجَّس الكفار شرّا من هذا القرآن ، وخافوا من بلاغته وصولته ، وحاولوا أن يكتموا صوته ، وهذا الشك أوقعهم في اتهام القرآن والخوف منه ، لذلك سمّاه الله شكا مريبا ، أي : شكا مركبا بالغ الاتهام .
جاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :
{ وإنهم لفي شك منه مريب } . أي : وإن كفار قومك لفي شك من القرآن ، موقع في الريبة والقلق ، فما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا ، بل كانوا شاكّين فيما قالوه ، غير متحققين لشيء كانوا فيه . {[652]}
{ 45-46 } { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }
يقول تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } كما آتيناك الكتاب ، فصنع به الناس ما صنعوا معك ، اختلفوا فيه : فمنهم من آمن به واهتدى وانتفع ، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به ، وإن اللّه تعالى ، لولا حلمه وكلمته السابقة ، بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا يتأخر { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بمجرد ما يتميز المؤمنون من الكافرين ، بإهلاك الكافرين في الحال ، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق . { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي : قد بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم ، فلذلك كذبوه وجحدوه .
قوله تعالى : " ولقد آتينا موسى الكتاب " يعني التوراة " فاختلف فيه " أي آمن به قوم وكذب به قوم . والكناية ترجع إلى الكتاب ، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك ، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم . وقيل : الكناية ترجع إلى موسى . " ولولا كلمة سبقت من ربك " أي في إمهالهم . " لقضي بينهم " أي بتعجيل العذاب . " وإنهم لفي شك منه " من القرآن " مريب " أي شديد الريبة . وقد تقدم{[13449]} . وقال الكلبي في هذه الآية : لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لآتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم . وقيل : تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين .
قوله : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ } وهذا تأنيس وتسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، إذْ يواسيه بكلماته الكريمة كيلا يحزن ، والمعنى : لقد آتينا موسى التوراة من قبلك فآمن بها من آمن وكفر بها من كفر فلا تبتئس بتكذيب قومك يا محمد وبكفرانهم .
قوله : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي لولا ما سبق من قضاء الله وحكمه فيهم بإمهال عذابهم إلى يوم القيامة لعجل الله الفصل بينهم ، فأخذهم العذاب .
قوله : { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } المبطلون الظالمون لم يكن تكذيبهم عن بصيرة منهم وتحقق لما يقولون بل كانوا شاكين فيما قالوه من إنكار وتكذيب ، وقوله : { مُرِيبٍ } أي مُوقِِعٌ لهم في الريبة ؛ لأنهم كذَّبوا بغير تثبّت ، وما قالوه من تكذيب وجحود إنما كان ظنًّا{[4071]} .