وينتهي السياق في استعراض دلائل القدرة ودقة الناموس بالانتقال من الكون إلى النفس ؛ وعرض سنن الحياة والموت في عالم الإنسان :
( وهو الذي أحياكم ، ثم يميتكم ، ثم يحييكم ، إن الإنسان لكفور ) . .
والحياة الأولى معجزة ، تتجدد في كل حياة تنشأ آناء الليل وأطراف النهار . وسرها اللطيف ما يزال غيبا يحار العقل البشري في تصور كنهه . . وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر . .
والموت سر آخر يعجز العقل البشري عن تصور كنهه ، وهو يتم في لحظة خاطفة ، والمسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة عريضة ضخمة . . وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر . .
والحياة بعد الموت - وهي غيب من الغيب ، ولكن دليله حاضر من النشأة الأولى . . وفيه مجال كذلك للتأمل والتدبر . .
ولكن هذا الإنسان لا يتأمل ولا يتدبر هذه الدلائل والأسرار : ( إن الإنسان لكفور ) . .
والسياق يستعرض هذه الدلائل كلها ، ويوجه القلوب إليها في معرض التوكيد لنصرة الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد عن نفسه العدوان . وذلك على طريقة القرآن في استخدام المشاهد الكونية لاستجاشة القلوب ، وفي ربط سنن الحق والعدل في الخلق بسنن الكون ونواميس الوجود . .
66 – وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
أي : خلقكم الله بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر ، ثم يميتكم عند انتهاء آجالكم ، والموت نعمة قال تعالى : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ . ( عبس : 21 ، 22 ) .
ثم يحييكم . يوم القيامة للبعث والحشر والجزاء والحساب ، فهو سبحانه الخلاق العليم بيده الخلق والأمر ؛ قال تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . ( البقرة : 28 ) .
أي : كنتم في عالم العدم ، ثم أحياكم الله عند تلقيح الذكر للأنثى ، ونفخ الروح في الجنين بقدرة الله ، وولادته إلى الدنيا ؛ ثم يموت الإنسان عند انتهاء أجله ، ثم يبعث يوم القيامة بقدرة الله . وقريب من ذلك قوله تعالى :
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ . ( غافر : 11 ) .
الموتة الأولى وجودهم في عالم العدم ، ثم الحياة الأولى بالولادة إلى الدنيا ، والموتة الثانية عند خروج الروح ، والحياة الثانية عند البعث ، وإحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم ، بعد جمع ما تفرق من أجزائهم الأصلية .
أي : جحود لربه ؛ حيث خلقه وصوره ، وأحياه ثم أماته ، ثم أحياه بالبعث ، وهو يجحد قدرة الله ، وينكر البعث ، ويقول : لن يحييني الله بعد موتي .
قال تعالى : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . ( غافر : 78 ، 79 ) .
وذهب بعض المفسرين إلى أن الحياة الأولى كانت والإنسان في عالم الذر حين أخذ الله العهد على ذرية آدم وهم في أصلاب آبائهم أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئا ، كما قال سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا . . . ( الأعراف : 172 ) .
وذهب آخرون إلى أن هناك حياة في القبر حين ترد الروح إلى الميت ويسأل : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك ، فيجيب ، ثم تسحب منه الروح ويعود إلى الموت .
بيد أن ابن كثير في تفسيره ذهب إلى ضعف هذين الرأيين إذ يترتب على كل واحد منهما أن تكون هناك ثلاث إحياءات ، ورجح ابن كثير رأى جمهور المفسرين وهو : أن الموتة الأولى وجود الإنسان في عالم العدم ، ثم ولادته في هذه الدنيا ، ثم موته عند خروج روحه ، ثم حياته عند البعث يوم القيامة . والله أعلم .
{ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } أوجدكم من العدم { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بعد أن أحياكم ، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بعد موتكم ، ليجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، { إِنَّ الْإِنْسَانَ } أي : جنسه ، إلا من عصمه الله { لَكَفُورٌ } لنعم الله ، كفور بالله ، لا يعترف بإحسانه ، بل ربما كفر بالبعث وقدرة ربه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.