في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (5)

1

وبعد تقرير الحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين . . المعاهدين وغير المعاهدين منهم سواء . . مع استثناء الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً بالوفاء لهم بعهدهم إلى مدتهم . . يجيء ذكر الإجراء الذي يتخذه المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب :

{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم ، واحصروهم ، واقعدوا لهم كل مرصد . فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } . .

وقد اختلفت الأقوال عن المقصود هنا بقوله تعالى : { الأشهر الحرم } . . هل هي الأشهر الحرم المصطلح عليها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب : وعلى ذلك يكون الوقت الباقي بعد الأذان في يوم الحج الأكبر بهذه البراءة هو بقية الحجة ثم المحرم . . خمسين يوماً .

أم إنها أربعة أشهر يحرم فيها القتال ابتداء من يوم النحر فتكون نهايتها في العشرين من ربيع الأخر ؟ . . أم إن الأجل الأول للناقضين عهودهم . وهذا الأجل الثاني لمن ليس لهم عهد أصلاً أو لمن كان له عهد غير مؤقت ؟

والذي يصح عندنا أن الأربعة الأشهر المذكورة هنا غير الأشهر الحرم المصطلح عليها . وأنه أطلق عليها وصف الأشهر الحرم لتحريم القتال فيها ؛ بإمهال المشركين طوالها ليسيحوا في الأرض أربعة أشهر . وأنها عامة - إلا فيمن لهم عهد مؤقت ممن أمهلوا إلى مدتهم - فإنه ما دام أن الله قد قال لهم : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } فلا بد أن تكون هذه الأشهر الأربعة ابتداء من يوم إعلانهم بها . . وهذا هو الذي يتفق مع طبيعة الإعلان .

وقد أمر الله المسلمين - إذا انقضت الأشهر الأربعة - أن يقتلوا كل مشرك أنى وجدوه أو يأسروه أو يحصروه إذا تحصن منهم أو يقعدوا له مترصدين لا يدعونه يفلت أو يذهب - باستثناء من أمروا بالوفاء لهم إلى مدتهم - بدون أي إجراء آخر معه . ذلك أن المشركين أنذروا وأمهلوا وقتاً كافياً ؛ فهم إذن لا يقتلون غدراً ، ولا يؤخذون بغتة ، وقد نبذت لهم عهودهم ، وعلموا سلفاً ما ينتظرهم .

غير أنها لم تكن حملة إبادة ولا انتقام . . إنما كانت حملة إنذار ودفع إلى الإسلام :

{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم } . .

لقد كانت هنالك وراءهم اثنتان وعشرون سنة من الدعوة والبيان ؛ ومن إيذائهم للمسلمين وفتنتهم عن دينهم ، ومن حرب للمسلمين وتأليب على دولتهم . ثم من سماحة لهذا الدين . ورسوله وأهله معهم . . وإنه لتاريخ طويل . . ومع هذا كله فلقد كان الإسلام يفتح لهم ذراعيه ؛ فيأمر الله نبيه والمسلمين الذين أوذوا وفتنوا وحوربوا وشردوا وقتلوا . . كان يأمرهم أن يكفوا عن المشركين إن هم اختاروا التوبة إلى الله ، والتزموا شعائر الإسلام التي تدل على اعتناقهم هذا الدين واستسلامهم له وقيامهم بفرائضه . وذلك أن الله لا يرد تائباً مهما تكن خطاياه . . { إن الله غفور رحيم } . .

ولا نحب أن ندخل هنا في الجدل الفقهي الطويل الذي تعرضت له كتب التفسير وكتب الفقه حول هذا النص :

{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } . .

وعما إذا كانت هذه شرائط الإسلام التي يكفر تاركها ؟ ومتى يكفر ؟ وعما إذا كان يكتفى بها من التائب دون بقية أركان الإسلام المعروفة ؟ . . الخ

فما نحسب أن هذه الآية بصدد شيء من هذا كله . إنما هو نص كان يواجه واقعاً في مشركي الجزيرة يومذاك . فما كان أحدهم ليعلن توبته ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وهو يعني الإسلام كله ، ويعني استسلامه له ودخوله فيه . فنصت الآية على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، لأنه ما كان ليفعل هذا منهم في ذلك الحين إلا من نوى الإسلام وارتضاه بكامل شروطه وكامل معناه .

وفي أولها الدينونة لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله ، والاعتراف برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - بشهادة أن محمداً رسول الله .

فليست هذه الآية بصدد تقرير حكم فقهي ، إنما هي بصدد إجراء واقعي له ملابساته .

وأخيراً فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك . فهو لا يعلنها حرب إبادة على كل مشرك كما قلنا . إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك . فالمشركون الأفراد ، الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى ؛ يكفل لهم الإسلام - في دار الإسلام - الأمن ، ويأمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجيرهم حتى يسمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوة ؛ ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم . . هذا كله وهم مشركون .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (5)

{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 5 ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون( 6 ) } .

المفردات :

انسلخ : انقضى .

وخذوهم : وأسروهم ، والأخيذ : الأسير .

واحصروهم : وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإفلات .

واقعدوا لهم كل مرصد : وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم ؛ حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم ، أو الفكاك منكم .

فخلوا سبيلهم : أي : فاتركوهم أحرارا .

التفسير :

5 -{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . . . } الآية .

المراد بالأشهر الحرم : الأشهر الأربعة ، التي أبيح فيها للمشركين الناكثين لعهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يسيحوا في الأرض آمنين ، وجعلت حرما ؛ لأن الله حرم قتالهم فيها .

وهذه الأشهر تبدأ من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر ، أما الأشهر الحرم التي قال فيها القرآن : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } . ( التوبة : 36 ) فهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب .

والمعنى : فإذا انقضت الأشهر الأربعة ، التي حرم فيه قتال المشركين الناكثين لعهودهم – لعلهم يثوبون فيها إلى رشدهم – فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في حل أو حرم ؛ لإصرارهم على الخيانة والشرك .

{ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } .

وأسروهم ، فإن الأخيذ هو الأسير .

{ واحصروهم } : الحصر : منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم .

{ واقعدوا لهم كل مرصد } . المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، أي : اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها .

وترى أن هذه الوسائل الأربعة – القتل ، والأسر ، والمحاصرة ، والمراقبة – هي الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء ، ولا يخلو عصر من العصور ، من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة .

وهكذا نرى تعاليم الإسلام ، تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة ؛ لكيد أعدائهم ، والعمل على هزيمتهم ، ويستثنى من ذلك النساء ، والرهبان ، والشيوخ ، والصبيان ، والضعفاء ؛ فهؤلاء لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق ، إلا إذا عاونوا أولئك الناكثين .

{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } .

استخدمت الآية كل الوسائل المشروعة في الترهيب والترغيب ؛ فقد أمرت المسلمين بأن يستعلموا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم ، فإذا رجع المشركون عن الشرك ، فأسلموا وأقاموا الصلاة بشروطها في أوقاتها ، وأدوا الزكاة لمستحقيها ، برهانا على صدق إيمانهم ؛ فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما تقدم ، إن الله عظيم الغفران والرحمة ، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر .

وقد استند أبو بكر رضي الله عنه ، إلى هذه الآية في قتال مانع الزكاة ، حيث قال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؛ فإن الزكاة حق المال .

وقد روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " 8 .

والمراد بالآية : اقتلوا المشركين الذين يحاربوكم9 .

وفي الحديث المتواتر : الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" أمرت أن أقاتل الناس – أي : مشركي العرب بالإجماع – حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ؛ عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " 10 .

وجاء في أحكام القرآن للجصاص 3/ 81 :

قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

خاص في مشركي العرب دون غيرهم .

قال عبد الرحمان بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ثم قال : يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه ! 11 .