تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

{ 114 ، 115 } { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }

أي : قل يا أيها الرسول { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } أحاكم إليه ، وأتقيد بأوامره ونواهيه . فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم . وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص ، والعيب ، والجور ، وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما ، فهو الله وحده لا شريك له ، الذي له الخلق والأمر .

{ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } أي : موضَّحا فيه الحلال والحرام ، والأحكام الشرعية ، وأصول الدين وفروعه ، الذي لا بيان فوق بيانه ، ولا برهان أجلى من برهانه ، ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا ، لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة .

وأهل الكتب السابقة ، من اليهود والنصارى ، يعترفون بذلك { ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } ولهذا ، تواطأت الإخبارات { فَلَا } تشُكَّنَّ في ذلك ولا { تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

قوله تعالى : { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتب مفصلا والذين ءاتينهم الكتب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ( 114 ) وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم } .

قيل في سبب نزول الآية أن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك .

قوله : { أفغير الله أبتغي حكما } الاستفهام للإنكار . والفاء للعطف . غير مفعول به للفعل أبتغي . حكما منصوب على الحال . وقيل : منصوب على التمييز{[1253]} والمعنى : قل لهم يا محمد لما طلبوه من أن يجعل بينه وبينهم حكما فيما اختلفوا فيه . فالله جل جلاله هو الحكم العدل وهو الصدوق ذو الفضل .

قوله : { وهو الذي أنزل إليكم الكتب مفصلا } الجملة في محل نصب على الحال مؤكدة للإنكار . والمعنى : أأبتغي حكما غير الله ، والحال أنه هو الذي أنزل إليكم القرآن العظيم المعجز على كونكم أميين لا تعلمون . أنزله إليكم مبينا كل ما تختصمون فيه . ومميزا فيه الحق من الباطل والحلال من الحرام ، وغير ذلك من الأحكام . ذلك أن القرآن جاء تفصيلا وبيانا لكل شيء . فإنه مبين لأصول الأشياء والأحكام ومتضمن للقواعد والأسس من قضايا الإنسان والكون .

قوله : { والذين ءاتينهم الكتب يعلمون أنه منزل من ربك الحق } كلام مستأنف سيق لتأكيد حقية القرآن . والمراد بالكتاب هنا التوراة والإنجيل . والمقصود باسم الموصول علماء اليهود والنصارى . فإنهم موقنون في أعماقهم أن القرآن منزل من عند الله بالحق . أي أن كل ما حواه هذا الكتاب الحكيم من أخبار وأحكام ووعد ووعيد لحق . وقوله : { بالحق } في محل نصب على الحال .

قوله : { فلا تكونن من الممترين } الفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب أن القرآن منزل من ربك بالحق . والمراد بالممترين : المترددون الشاكون . والمعنى ، أن الله نهى رسوله الكريم أن يكون من الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بالحق . وقيل : نهاه عن مطلق الامتراء وذلك من باب التعريض لأمته كيلا يمتروا . أي لا يكن أحد من الناس ممتريا . والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المراد بمقتضاه أمته{[1254]} .


[1253]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 336.
[1254]:- فتح القدير ج 2 ص 155 وروح المعاني ج 8 ص 9- 10.