تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ} (52)

ولما ذكر فضل الطاعة في الحكم خصوصا ، ذكر فضلها عموما ، في جميع الأحوال ، فقال : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيصدق خبرهما ويمتثل أمرهما ، { وَيَخْشَ اللَّهَ } أي : يخافه خوفا مقرونا بمعرفة ، فيترك ما نهى عنه ، ويكف نفسه عما تهوى ، ولهذا قال : { وَيَتَّقْهِ } بترك المحظور ، لأن التقوى -عند الإطلاق- يدخل فيها ، فعل المأمور ، وترك المنهي عنه ، وعند اقترانها بالبر أو الطاعة - كما في هذا الموضع - تفسر بتوقي عذاب الله ، بترك معاصيه ، { فَأُولَئِكَ } الذين جمعوا بين طاعة الله وطاعة رسوله ، وخشية الله وتقواه ، { هُمُ الْفَائِزُونَ } بنجاتهم من العذاب ، لتركهم أسبابه ، ووصولهم إلى الثواب ، لفعلهم أسبابه ، فالفوز محصور فيهم ، وأما من لم يتصف بوصفهم ، فإنه يفوته من الفوز بحسب ما قصر عنه من هذه الأوصاف الحميدة ، واشتملت هذه الآية ، على الحق المشترك بين الله وبين رسوله ، وهو : الطاعة المستلزمة للإيمان ، والحق المختص بالله ، وهو : الخشية والتقوى ، وبقي الحق الثالث المختص بالرسول ، وهو التعزير والتوقير ، كما جمع بين الحقوق الثلاثة في سورة الفتح في قوله : { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ} (52)

قوله تعالى : " ومن يطع الله ورسوله " فيما أمر به حكم . " ويخش الله ويتقيه " قرأ حفص " ويتقه " بإسكان القاف على نية الجزم ، قال الشاعر :

ومن يَتَّقْ فإن الله معه *** ورِزْقُ الله مُؤْتَابٌ وغَادِي

وكسرها الباقون ؛ لأن جزمه بحذف آخره . وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر . واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والبستي عن أبي عمرو وحفص . وأشبع كسرة الهاء الباقون . " فأولئك هم الفائزون " ذكر أسلم أن عمر [ رضي الله عنه ]{[12038]}بينما هو قائم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه وهو يقول : أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . فقال له عمر : ما شأنك ؟{[12039]} قال : أسلمت لله . قال : هل لهذا سبب ؟ قال : نعم إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء ، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة ، فعلمت أنه من عند الله فأسلمت . قال : ما هذه الآية ؟ قال قوله تعالى : " ومن يطع الله " في الفرائض " ورسوله " في السنن " ويخش الله " فيما مضى من عمره " ويتقه " فيما بقي من عمره : " فأولئك هم الفائزون " والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة . فقال عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت جوامع الكلم ) .


[12038]:من ك.
[12039]:في ك: ما شأنك أسلمت. ولعلها زيادة ناسخ.