مثل الفريقين : أي : المؤمن والكافر .
كالأعمى والأصم : فالكافر أعمى عن رؤية الحق ، أصم ، أطرش لا يسمع الحق .
والبصير والسميع : هذا مثل المؤمن .
هل يستويان مثلا : هل يستويان تمثيلا وحالا .
أفلا تذكرون : أي : أفلا تتذكرون ، حذف إحدى التاءين ؛ تخفيفا .
24 { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } .
أي : صفة الفريقين المذكورين اللذين وصفا سابقا ، وهم الكفار بالشقاء ، والمؤمنون بالسعادة ، كمثل الأعمى الأصم ، والسميع البصير ، الكافر : مثل الأعمى ؛ لتعاميه عن وجه الحق في الدنيا والآخرة ؛ ومثل الأصم ؛ لعدم سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به ؛ لقد أغلق مفاتيح قلبه ، وتركه مظلما لا يسمع الهدى ، ولا يبصر نور الحق حتى فاجأه الموت فرأى الخسران المبين ، ورأى جهنم تتلظى ؛ غيظا على من عصى الله تعالى .
أما المؤمن فهو الذي يبصر آيات الله في هذا الكون ، ويتأمل دلائل قدرة الله ، ويسمع صوت الحي ، والقرآن في تدبر وتأمل ؛ فيخشع قلبه ويزداد حيا لخالقه ورضي عنه ؛ فإذا جاء في الآخرة وجد رضوان الله ونعيم الجنة ، فلا يستوي هذا وذاك صفة وحالا ومالا .
{ أفلا تذكرون } . وتعتبرون ؛ فيسارع الكافر إلى الإيمان قبل فوات الأوان .
قال تعالى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ } . ( الحشر : 20 ) .
وقال سبحانه : { وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } . ( فاطر : 19 22 ) .
وفي ختام هذا الحديث المتنوع عن أدلة الوحدانية ، وعن إعجاز القرآن الكريم ، وعن حسن عاقبة المؤمنين وعن سوء عاقبة المكذبين ؛ ساق القرآن قصصا عن أنبياء الله ورسله ، استغرق معظم السورة ، وفي هذا القصص نماذج عملية على جهاد المرسلين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، وهلاك الظالمين ؛ ففيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت للمؤمنين ، نجد ذلك في قصة نوح ، ثم قصة هود ، وقصة صالح ، وقصة إبراهيم ، وقصة لوط ، وقصة شعيب ، وقصة موسى عليهم السلام .
وردت قصة نوح في سور متعددة ، منها : سورة الأعراف ، وسورة المؤمنون ، وسورة نوح ، إلا أنها وردت هنا في سورة هود بصورة أكثر تفصيلا .
وسورة هود نزلت بعد سورة يونس ، وسورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء ، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وشهرين ، وذلك يوضح الفترة التي نزلت فيها سورة هود ، إنها الفترة التي مات فيها أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وماتت فيها زوجته خديجة ، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم عام وفاتها : عام الحزن ؛ ذلك أن قريشا لم تستطع أن تنال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا بعد أن مات عمه أبو طالب ، وكان أبو طالب هو الوحيد في قومه الذي يحميه ويدافع عنه .
كانت سورة هود ، رسالة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ففي مقدمتها عرض يسير للدعوة الإسلامية ؛ وأصناف الناس أمامها ، وتثبيت لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي قصص الأنبياء حسب التسلسل التاريخي ، نوح ثم هود ، ثم صالح ، ثم إبراهيم ، ثم لوط ، ثم شعيب ، كما تحدثت عن جانب من قصة موسى عليه السلام .
وجميع هؤلاء الرسل كان لهم جهاد وجلاد ومناقشة مع أقوالهم ؛ وتحمل لألوان من العذاب والاضطهاد وفي الخاتمة ينصر الله المؤمنين ويهلك الكافرين .
أرسل الله نوحا إلى قومه فوجد أنهم يعبدون الأصنام ، وكانت في الأصل صورا لقوم صالحين وتماثيل لهم ؛ أراد القوم أن يتذكروهم ويقتدوا بهم ، فلما طال العهد عبدوهم ، وتقربوا إليهم ، وهم : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وفي قصة نوح بلاء نوح مع ابنه ، ودعوته له إلى الإيمان ، وإعراض الابن عن دعوة نوح ، ومجيء الطوفان ، وغرق الابن ، ودعاء نوح لربه حتى ينجيه ، ثم توضيح الله سبحانه بأن هذا الابن لا يستحق نجاة ؛ لأنه عمل عملا غير صالح ، ويعود نوح إلى يقينه وطمأنينته ، ويستعيذ بالله مما سبق ، ويطلب من الله المغفرة والرحمة ، ويستجيب الله دعائه ، و يهيئ له سبل النجاة وسلامة الإقامة .
وفي هذا القصص وأمثاله عبرة وعظة ، وتصديق لما ورد منه في التوراة والإنجيل ، وتفصيل لتاريخ الرسل وكفاحهم ، وتسجيل لجهادهم ، وتسرية لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت للمؤمنين ، وتبصير للكافرين .
{ مَثَلُ الفريقين } المذكورين من المؤمنين والكفار أي حالهما العجيب ، وأصل المثل كالمثل النظير ، ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده ولا يكون إلا لما فيه غرابة وصار في ذلك حقيقة عرفية ، ومن هنا يستعار للقصة والحال والصفة العجيبة .
{ كالاعمى والاصم والبصير والسميع } أي كحال من جمع بين العمى والصمم ، ومن جمع بين البصر والسمع فهناك تشبيهان : الأول تشبيه حال الكفرة الموصوفين بالتعامي والتصام عن آيات الله تعالى بحال من خلق أعمى أصم لا تنفعه عبارة ولا إشارة ، والثاني تشبيه حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم اهتداءاً إلى الجنة وانكفاءاً عما كانوا خابطين فيه من ضلال الكفر والدجنة بحال من هو بصير سميع يستضيء بالأنوار في الظلام ويستفيء بمغانم الأنذار والأبشار فوزاً بالمرام ، والعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات كما في قوله :
يا لهف زيابة للحرث الص *** ابح فالغانم فالآيب
ويحتمل أن يكون هناك أربع تشبيهات بأن يعتبر تشبيه حال كل من الفريقين . الفريق الكافر . والفريق المؤمن بحال اثنين أي مثل الفريق الكافر كالأعمى ومثله أيضاً كالأصم ، ومثل الفريق المؤمن كالبصير ومثله أيضاً كالسميع ، وقد يعتبر تنويع كل من الفريقين إلى نوعين فيشبه نوع من الكفاربالأعمى . ونوع منهم بالأصم ويشبه نوع من المؤمنين بالبصير . ونوع منهم بالسميع ، واستبعد ذلك إذ تقسيم الكفار إلى مشبه بالأول ومشبه بالثاني وكذلك المؤمنون غير مقصود البتة بدليل نظائره في الآيات الأخر كقوله سبحانه : { وَمَا يَسْتَوِى الاعمى * والبصير } [ فاطر : 19 ] وكقوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] في الكفار الخلص ، وقوله تبارك وتعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } [ البقرة : 18 ] في المنافقين ، وللآية على احتمالاتها شبه في الجملة بقول أمرىء القيس :
كأن قلوب الطير رطباً ويابسا *** لدى وكرها العناب والحشف البالي
فتدبره ، وقد يعتبر التشبيه تمثيلياً بأن ينتزع من حال الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة منتزعة ممن فقد مشعري البصر . والسمع فتخطب في مسلكه فوقع في مهاوي الردي ولم يجد إلى مقصده سبيلاً ، وينتزع من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار الخلود هيئة تشبه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله وينال مرامه ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر . ولعل أظهر الاحتمالات ما أشير إليه أولاً ، والكلام من باب اللف والنشر ، واللف إما تقديري إن اعتبر في الفريقين لأنه في قوة الكافرين والمؤمنين ، أو تحقيقي إن اعتبر فيما دل عليه قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى } [ هود : 18 ] الخ ، وقوله سبحانه : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 23 ] الآية ، وأمر النشر ظاهر ، ولا يخفى ما فيه من الطباق بين الأعمى والبصير وبين الأصم والسميع ، وقدم ما للكافرين قيل : مراعاة لما تقدم ولأن السياق لبيان حالهم ، وقدم الأعمى على الأصم لكونه أظهر وأشهر في سوء الحال منه .
وفي البحر إنما لم يجيء التركيب كالأعمى والبصير . والأصم والسميع ليكون كل من المتقابلين على إثر مقابله لأنه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع ، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع وذلك هو الأسلوب في المقابلة والأتم في الاعجاز ، وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير ذلك في قوله سبحانه : { إِنَّ لَكَ * أَن لا *تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَإنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه : 118 ، 119 ] ثم الظاهر مما تقدم أن الكلام على حذف مضاف وهو مجرور بالكاف ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عن مثل .
وجوز أن تكون الكاف نفسها خبر المبتدأ ويكون معناها معنى المثل ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي مثل الفريقين مثل الأعمى والأصم والبصير والسميع { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين المذكورين ، والاستفهام إنكاري مذكر على ما قيل : لما سبق من إنكار المماثلة في قوله سبحانه : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] الخ { مَثَلاً } أي حالا وصفة ونصبه على التمييز المحول عن الفاعل ، والأصل هل يستوي مثلهما .
وجوز ابن عطية أن يكون حالا ، وفيه بعد { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتشكون في عدم الاستوار وما بينهما من التباين أو تغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ذكر لكم من المثل ، فالهمزة للاستفهام الإنكاري وهو وارد على المعطوفين معاً أو أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون الإنكار وارداً على عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل المضروب أي أفلا تفعلون التذكر ، أو أفلا تعقلون ، ومعنى إنكار عدم التذكر استبعاده من المخاطبين وأنه مما لا يصح أن يقع ، وليس من قبيل الإنكار في { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] و { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي الاستواء ،
( ومن باب الإشارة ) : { مَثَلُ الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع } قيل : { البصير } من عاين ما يراد به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته { والسميع } من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب في حال من الأحوال ، وقيل : { البصير } الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئاً ولا يتعجب من شيء { والسميع } من يسمع من الحق فيميز الإلهام من الوسواس ، وقيل : { البصير } هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف { والسميع } من يسمع من دواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سراً ، وقيل : وقيل : { السميع } من لا يسمع إلا كلام حبيبه ، و { البصير } من لا يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلاً ونهاراً ، وإلى هذا يشير قول قائلهم :
ليلي من وجهك شمس الضحى *** وإنما السدفة في الجو
الناس في الظلمة من ليلهم *** ونحن من وجهك في الضو
وفسر كل من الأعمى والأصم بضد ما فسر به { البصير * والسميع } والمراد من قوله سبحانه : { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } [ هود : 24 ] أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما ، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد
{ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } أي : فريق الأشقياء ، وفريق السعداء . { كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ } هؤلاء الأشقياء ، { وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ } مثل السعداء .
{ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا } لا يستوون مثلا ، بل بينهما من الفرق ما لا يأتي عليه الوصف ، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الأعمال ، التي تنفعكم ، فتفعلونها ، والأعمال التي تضركم ، فتتركونها .