تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ} (28)

{ * ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار28 جهنم يصلونها وبئس القرار29 وجعلوا لله أنداد ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار30 قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال31 } .

المفردات :

كفرا : كفر النعمة : جحدها .

دار البوار : دار الهلاك ، ويطلق البوار أيضا على : الكساد .

التفسير :

28 { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا . . . }الآية .

الخطاب هنا موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى كل من يصلح للخطاب ، مقصود به : التعجيب من صنع هؤلاء الكفار .

والمعنى : ألم تنظر إلى الذين بدلوا شكر نعمة الله عليهم ، فجعلوا مكانه كفرا عظيما .

والمراد بهم : أهل مكة ، مكن الله لهم حرما آمنا ، يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويسر لهم رحلة الشتاء والصيف ، ودعاهم : إلى عبادة رب البيت الحرام ، وأرسل لهم نبيا منهم يعرفون نسبه وصدقه ، وأنزل عليه كتابا فيه مجدهم وصلاحهم ، وإنقاذهم من براثن الكفر والشرك ، إلى نور الإيمان والتوحيد ، لكنهم بدلا من أن يشكروا الله على هذه النعمة ، فيؤمنوا برسوله ويتبعوا هديه ، قابلوا هذه النعمة بالكفر ، والإصرار على عبادة الأوثان ، ومحاربة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن آمن به .

{ وأحلوا قومهم دار البوار } . وأنزلوا قومهم ومن أطاعهم من أهل مكة ، دار البوار والهلاك ، حيث قتلوا في غزوة بدر ، وعدد من الغزوات حتى فتحت مكة ، وتعرضوا للهوان والهلاك .

والبوار : الفساد والهلاك ، الذي أنزلوه بأقوامهم وبأنفسهم ، كما قال تعالى في شأن فرعون : { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } . ( هود : 98 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ} (28)

{ أَلَمْ تَرَ } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل أي ألم تنظر { إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله } أي شكر نعمته تعالى الواجب عليهم ووضعوا موضعه { كُفْراً } عظيماً وغمطاً لها ، فالكلام على تقدير مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو المفعول الثاني و { كُفْراً } المفعول الأول ، وتوهم بعضهم عكس ذلك ، وقد لا يحتاج إلى تقدير على معنى أنهم بدلوا النعمة نفسها كفراً لأنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبيها موصوفين بالكفر ، وقد ذكر هذا كالأول الزمخشري ، والوجهان كما في الكشف خلافاً لما قرره الطيبي وتابعه عليه غيره متفقان في أن التبديل ههنا تغيير في الذات إلا أنه واقع بين الشكر والكفر أو بين النعمة نفسها والكفر ، والمراد بهم أهل مكة فإن الله سبحانه أسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا نعمة الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم ، أو أصابهم الله تعالى بالنعمة والسعة لإيلافهم الرحلتين فكفروا نعمته سبحانه فضربهم جل جلاله بالقحط سبه سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر فحصل لهم الكفر بدل النعمة وبقي ذلك طوقافي أعناقهم .

وأخرج الحاكم وصححه . وابن جرير . والطبراني . وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هؤلاء المبدلين : هما إلا فجران من قريش بنو أمية . وبنوا المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين . وأخرج البخاري في تاريخه . وابن المنذر . وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك( {[489]} ) .

وجاء في رواية كما في جامع الأصول هم والله كفار قريش . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم ، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يريد أنها نزلت في جبلة ومن معه لأن قصتهم كانت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وإنما يريد أنها تخص من فعل جبلة إلى يوم القيامة { وَأَحَلُّواْ } أي أنزلوا { *قوْمَهُمْ } بدعوتهم إياهم لما هم فيه من الضلال ، ولم يتعرض لحلولهم لدلالة الاحلال عليه إذ هو فرع الحلول كما قالوا في قوله تعالى في فرعون : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار } [ هود : 98 ] { دَارَ البوار } أي الهلاك من باريبور بواراً وبوراً ، قال الشاعر :

فلم أر مثلهم أبطال حرب . . . غداة الحرب إذ خيف البوار

وأصله كما قال الراغب فرط الكساد ، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر به عن الهلاك .

( ومن باب الإشارة ) :{ الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله } من الهداية الأصلية والنور الفطري { كُفْراً } احتجاباً وضلالاً { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } من تابعهم واقتدى بهم في ذلك { دَارَ البوار } [ إبراهيم : 28 ] الهلاك والحرمان


[489]:- كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله عز وجل (قل تمتعوا) الآية اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ} (28)

{ 28 - 30 } { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ }

يقول تعالى - مبينا حال المكذبين لرسوله من كفار قريش وما آل إليه أمرهم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } ونعمة الله هي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، يدعوهم إلى إدراك الخيرات في الدنيا والآخرة وإلى النجاة من شرور الدنيا والآخرة ، فبدلوا هذه النعمة بردها ، والكفر بها والصد عنها بأنفسهم .

{ و } صدهم غيرهم حتى { أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } وهي النار حيث تسببوا لإضلالهم ، فصاروا وبالا على قومهم ، من حيث يظن نفعهم ، ومن ذلك أنهم زينوا لهم الخروج يوم " بدر " ليحاربوا الله ورسوله ، فجرى عليهم ما جرى ، وقتل كثير من كبرائهم وصناديدهم في تلك الوقعة .