تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ} (40)

{ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي . . . } .

نلمح هنا عبادة إبراهيم الرحمان ، وتقربه من ربه بالدعاء ، والحب ، والذكر ، والتبتيل ، { إن إبراهيم لأوّاه حليم } ( التوبة : 114 ) ، فهو دائم الرجوع إلى الله والتضرع إليه مع الحلم والأناة ، وفي هذه الآية يدعو ربه قائلا :

{ رب اجعلني مقيم الصلاة } . وفقني لأداء الصلاة في أوقاتها ، والمحافظة على خشوعها و خضوعها وإقامة أركانها ؛ فهي وسيلة المناداة والمناجاة ، وسبيل الإيمان وذكر الرحمان ، وهي تغسل النفس من الداخل بالتوبة والذكر والطهارة ، ولذلك كانت وسيلة إلى البعد عن الفحشاء والمنكر ؛ لأن من عرف ربه وناجاه في صلاته ؛ سكب الله في قلبه التقوى ، ورزقه الاستقامة على المأمورات واجتناب المنهيات .

وقد كان إبراهيم أمة في رجل ؛ فهو أبو الأنبياء ، وقد امتدت دعوته إلى الصالحين من ذريته ، فقال :

{ ومن ذريتي } . أي : واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة ، وقد وصف الله عباد الرحمان بقوله : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما }( الفرقان : 74 ) .

وقد خص إبراهيم بعض ذريته بالدعاء ، فقال : { ومن ذريتي } . أي : وبعض ذريتي ؛ لأنه علم من استقرائه عادة الله في الأمم السابقة ، أن يكون في ذريته من لا يقيم الصلاة .

انظر إلى قوله تعالى : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } . ( البقرة : 128 ) .

إن عدالة الله تأبى أن تحابي نبيا أو رسولا ، وإنما يكافئ المحسن أيا كان موقعه أو نسبه ، ويعاقب المسيء مهما كانت قرابته أو نسبته ، { ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .

{ ربنا وتقبل دعاء } . أي : يا رب تقبل دعائي ، وأجب دعائي وتبتلي ، أو تقبل عبادتي ، أو هما معا ، تقبل دعائي حين أدعوك ، وعبادتي حين أعبدك ، وارزقني الإخلاص والقبول والتوفيق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ} (40)

{ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ * الصلاة } معدلاً لها فهو مجاز من أقمت العود إذا قومته ، وأراد بهذا الدعاء الديمومة على ذلك ، وجوز بعضهم أن يكون المعنى مواظباً عليها ، وبعض عظماء العلماء أخذ الأمرين في تفسير ذلك على أن الثاني قيد للأول مأخوذ من صيغة الاسم والعدول عن الفعل كما أن الأول مأخوذ من موضوعه على ماق يل ، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مجازيين ، وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته عليه السلام لذريته أيضاً حيث قال : { وَمِن ذُرّيَتِى } للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذريته أتباع له فإن ذكرهم بطريق الاستطراد { وَمِنْ } للتبعيض ، والعطف كما قال أبو البقاء على مفعول { اجعل } [ إبراهيم : 35 ] الأول أي ومن ذريتي مقيم الصلاة .

وفي «الحواشي الشهابية » أن الجار والمجرور في الحقيقة صفة للمعطوف على ذلك أي وبعضاً من ذريتي ولولا هذا التقدير كان ركيكاً ، وإنما خص عليه السلام هذا الدعاء ببعض ذريته لعلمه من جهته تعالى أن بعضاً منهم لا يكون مقيم الصلاة بأن يكون كافراً أو مؤمناً لا يصلي ، وجوز أن يكون علم من استقرائه عادة الله تعالى في الأمم الماضية أن يكون في ذريته من لا يقيمها وهذا كقوله : { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] .

{ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء } ظاهره دعائي هذا المتعلق بجعلي وجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ولذلك جىء بضمير الجماعة ، وقيل : الدعاء بمعنى العبادة أي تقبل عبادتي . وتعقب بأن الأنسب أن يقال فيه دعاءنا حينئذٍ .

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وهبيرة عن حفص { دُعَائِى } بياء ساكنة في الوصل ، وفي رواية البزي عن ابن كثير أنه يصل ويقف بياء .

وقال قنبل : إنه يشم الياء في الوصل ولا يثبتها ويقف عليها بالألف .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ} (40)

ثم دعا لنفسه ولذريته ، فقال : { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ }