100- { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } .
كان اليهود في المدينة يكونون طابورا خامسا يثيرون الفتن والقلاقل ويشيعون الفرقة في صفوف المسلمين وكان اليهود في الجاهلية قوة وقدرة مالية فكانت لهم زراعة وثروة ومنزلة في المدينة المنورة وكانت تسمى ( يثرب ) فلما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووحد صفوفهم وجمع كلمتهم وانتقلت سيادة المدينة وزعامتها إلى جماعة المسلمين وقد ألهب ذلك نيران الحقد والبغض في نفوس اليهود فأنكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم : { جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ( النمل 14 ) .
وكان شيوخ اليهود يضمرون نيران العدوان والفتنة بين الأوس والخزرج من اهل المدينة .
وقد ورد في تفسير الطبري والنيسابوري وغيرهما كما ورد في أسباب النزول للسيوطي وأسباب النزول للواحدي أن سبب نزول هذه الآية محاولة اليهود تفريق صفوف المسلمين .
قال زيد بن أسلم : مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا قد غبر 22 في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم فمر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العدوان فقال قد اجتمع ملأ بني قيلة 23 بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار فأمر شابا من اليهود كان معه فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم بعاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار وكان بعاث يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس ، وجابر بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا وقال أحدهما لصاحبه : إن شئت رددتها جذعا وغضب الفريقان جميعا وقالا ارجعا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي حرة فخرجوا إليها فانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال يا معشر المسلمين أتدّعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا الله الله فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا } يعني الأوس والخزرج { إن تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب } يعني شاسا وأصحابه { يردوكم بعد إيمانكم كافرين }قال جابر ابن عبد الله ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلينا بيده وأصلح الله تعالى ما بيننا فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم24 .
{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين }
أي إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب بينكم من دسائس ولنتم لهم لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيكم القديمة وكفركم بالله بعد إيمانكم .
وقد وصف سبحانه الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين أتوا الكتاب إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم .
ونعتهم بأنهم أوتوا الكتاب للإشعار بان تضليلهم متعمد وبأن تآمرهم على المؤمنين مقصود فهم اهل كتاب وعلم ولكنهم استعملوا علمهم في الشرور والآثام .
وقوله : { ويردوكم } أصل الرد الصرف والإرجاع إلا أنه هنا مستعار فلتغيير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشاعر :
فرد شعورهن السود بيضا *** ورد وجوههن البيض سودا
أي يصيركم بعد إيمانكم كافرين والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله الثاني .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } ( البقرة 109 ) .
{ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } خطاب للأوس والخزرج على ما يقتضيه سبب النزول ويدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ ، وخاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله تعالى ويكلمهم فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير قل لهم . والمراد من الفريق بعض غير معين ، أو هو شاس بن قيس اليهودي ، وفي الاقتصار عليه ، مبالغة في التحذير ولهذا على ما قيل : حذف متعلق الفعل ، وقال بعضهم : هو على معنى إن تطيعوهم في قبول قولهم بإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية و { كافرين } إما مفعول ثان ليردوكم على تضمين الردّ معنى التصيير كما في قوله :
رمى الحدثان نسوة آل سعد *** بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا
ورد وجوههن البيض سودا *** أو حال من مفعوله ، قالوا : والأول : أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر ، و { بَعْدَ } يجوز أن يكون ظرفاً ليردوكم وأن يكون ظرفاً لكافرين ، وإيراده مع عدم الحاجة إليه لإغناء ما في الخطاب عنه واستحالة الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان وتوسيطه بين المنصوبين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع ، إما لزيادة قبحه أو لممانعة الإيمان له كأنه قيل : بعد إيمانكم الراسخ ، وفي ذلك من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى وقدم توبيخ الكفار على هذا الخطاب ؛ لأن الكفار كانوا كالعلة الداعية إليه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يا أيها الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } خوفاً من إنكارهم ما أنتم عليه من الحقيقة والطريق الموصل إليه سبحانه { يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم } الراسخ فيكم { كافرين } [ آل عمران : 100 ] لأن إنكار الحقيقة كفر كإنكار الشريعة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.