تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (130)

{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون }

المفردات :

الربا : هو ربح المال يقال ربا المال يربو رباء أي زاد وأربى الشيء على الشيء أي زاد عليه .

أضعافا مضاعفة : أي زيادات مكررة وأضعافا جمع ضعف وضعف الشيء مثله الذي يصير به اثنين .

مضاعفة : فيه إشارة إلى تكرار التضعيف مرة بعد مرة .

التفسير :

130- { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون } .

من شان القرآن أن يعني بتربية المؤمنين وإرشادهم وتعليمهم وفي الآية السابقة دروس وعبر من غزوة أحد وغزوة بدر وفي الآيتين 130-131 دروس في تحريم الربا وتحذير من عقاب آكله .

وهي سنة القرآن في تخون المؤمنين بالموعظة والأمر والنهي والترغيب والترهيب والانتقال بالنفس البشرية من خبر إلى أمر إلى نهي . . رغبة في حمل النفس على تقبل الأوامر واجتناب النواهي والتزام الطاعة .

قال الإمام الرازي :

لما شرح الله عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الامر والنهي والترغيب والترهيب فقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة . . } 81 .

وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم مثلا إلى أجل فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال : زدني في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آ جال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله : أضعافا مضاعفة82 .

( كان يهود من المدينة من أشهر المتعاملين بالربا فنهي الله سبحانه المؤمنين أن يرتكبوا هذه الفعلة النكراء فإن الربا يجتث مال الفقير ويضيع جهده ويزيد في ثراء الأغنياء مع الدعة والراحة . . وهو الذي يقطع أواصر المودة والتعاطف بين الناس83 .

وقد سبق حديث عن الربا في الآية 275-276 من سورة البقرة وفيهما ما يدل على تحريم الربا قليلة وكثيرة عاجلة وآجلة وأن ليس للدائن سوى رأس ماله .

قال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم . البقرة 275-276 ) .

وقد ابتدأ سبحانه الآية التي نفسرها بقوله :

{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا . . } .

لبيان ان الربا ليس من شأن المؤمنين وإنما هو من سمات الكافرين الفاسقين .

وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطي الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح وان يتحروا الحلال في كل أمورهم .

وخصه بالنهي لأنه كان شائعا في ذلك الوقت ولأنه كما ي قول القرطبي هو الذي أذن فيه بالحرب في قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } . والحرب يؤدن بالقتل فكأنه يقول لهم : إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم84 .

والمراد من الأكل الأخذ وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع .

والربا معناه الزيادة والمراد بها هنا تلك الزيادة التي كانت تضاف على الدين .

قال الإمام ابن جرير : عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بني المغيرة في الجاهلية فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون .

وقال ابن زيد كان أبي زيد بن ثابت يقول : إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول : " تقضيني أو تزيدني " 85 .

وقوله : أضعافا حال من الربا وقوله مضاعفة صفة له .

الأضعاف جمع ضعف وضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله .

وهذا القيد وهو قوله : أضعافا مضاعفة ليس لتقيد النهي به أي ليس للنهي عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها بل هذا القيد لمراعاة الواقع ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدي إلى استئصال المال ولتوبيخ من كان يتعاطى بتلك الصورة البشعة .

وقد حرم الله تعالى أصل الربا ومضاعفته ونفر منه تنفيرا شديدا فقال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا . . }

وهذا النوع من الربا الذي نهى الله عنه هنا قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } هو الذي يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة أو ربا الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريما قاطعا فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : " ألا إن ربا الجاهلة موضوع أي مهدر وأول ربا أبدا ربا عمى العباس بن عبد المطلب " 86 .

وقال الإمام احمد ابن حنبل : عن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه .

ويقابل هذا النوع من الربا ربا البيوع وهو الذي ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه " البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد . والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد . والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى " 87 .

وقد اتفق العلماء على ان بيع هذه الأصناف لابد ان يكون بغير زيادة بمثلها كقمح بقمح ولابد من قبضها وإذا اختلف الجنس كقمح الشعير جازت الزيادة ولابد من القبض في المجلس والتأخير يسمى ربا النساء والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل .

وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة ليرجع إليها من شاء في مظانها : ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشية الله وتقواه فقال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } .

أي : واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية لعلكم تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (130)

{ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة }

ابتداء كلام مشتمل على أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد ، ولعل إيراد النهي عن الربا بخصوصه هنا لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة الناس إلى طرق الاكتساب ، ومن جملتها بل أسهلها الربا فنهوا عنه ، وقدمه على الأمر اعتناءاً به وليجىء ذلك الأمر بعد سدّ ما يخدشه ، وقال القفال : يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين قد اجتمعت من الربا وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام عليه كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر أيضاً ويتمكنوا من الانتقام من عدوهم ، فورد النهي عن ذلك رحمة عليهم ولطفاً بهم ، وقيل : إنه تعالى شأنه لما ذكر أن له التعذيب لمن يشاء والمغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب وهو الربا وخصه بالنهي ؛ لأنه كان شائعاً إذ ذاك وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولاً وبالذات إيذاناً بشدة الحظر . والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع ، وقد تقدم الكلام في الربا .

{ أضعافا مضاعفة } حال من الربا والأضعاف جمع ضعف وضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وأضعافه أمثاله ، وقال بعض المحققين : الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثنى اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف على ما نقله الراغب بمعنى ضعفته ، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر ، والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما دونه فإذا قيل : ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها ، ولو قال : له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ، ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل : هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار ، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءاً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله ، بل ذلك ؛ لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور . وهذا مغزى الفقهاء في الأقارير والوصايا ، ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع اللغوي كما قال الأزهري .

ومن هنا ظهر أنه لو قال : له عليَّ الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان ، ثم قال ، والحاصل أن تضعيف الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن ، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذاً معه في كون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف ، وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع ، فقد روى غير واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال للمدين : زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند ( محل ) كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية ، وقرىء مضعفة بلا ألف مع تشديد العين .

{ واتقوا الله } أي في ما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح ، فالجملة حينئذٍ في موضع الحال قيل : ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد ، أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى( {[202]} ) حضائر القدس .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } إما إشارة إلى الأمر بالتوكل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه ، أو رمز إلى الأمر بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلب نفع منهم ، فقد ورد في بعض الآثار أن القرض أفضل من الصدقة ، أو إيماء إلى عدم طلب الأجر على الأعمال بأن يفعلها محضاً لإظهار العبودية { واتقوا الله } من أكل الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 130 ] أي تفوزون بالحق .


[202]:- قوله: (حضائر) هو في خط المؤلف رحمه الله بالضاد الساقطة كتبه مصححه.