تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (149)

{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين }

المفردات :

يردوكم على أعقابكم : أي يردوكم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية .

التفسير :

149- { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين } .

عندما عاد المسلمون من غزوة أحد ولم يكتب لهم فيها النصر حاولت جهات كثيرة أن تثبط عزيمتهم وأن تشككهم في الإسلام .

قال ابن عباس : هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أحد لو كان نبيا ما أصابه فارجعوا إلى إخوانكم واطلبوا الأمان منهم وادخلوا في دينهم وابعثوا فئة تطلب الأمان لكم من أبي سفيان رأس المشركين يومئذ .

***

وقيل : نزلت بسبب قول أهل الكتاب للمؤمنين : لو كان محمد نبيا حقا لما غلب ولما أصاب أصحابه ما أصابهم .

جاء في تفسير الألوسي :

والمراد من الذين كفروا : إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم في أحد ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم . . وإما أبو سفيان وأصحابه فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم . . . وإما اليهود والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه في الدين ويقولون : لو كان محمد نبيا لما غلبه أعداؤه . . وإما سائر الكفار110 .

وخصوص السبب لا يمنع إرادة العموم من اللفظ .

قال القرطبي في التفسير :

يا أيها الذين آمنوا . يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه { إن تطيعوا الذين كفروا } . يعني الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه فتقبلوا رأيهم ونصحهم .

يردوكم على أعقابكم . يحملوكم على الردة بعد الإيمان والكفر بالله وآياته وبرسوله .

فتنقلبوا خاسرين . فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين هالكين قد خسرتم أنفسكم وضللتم عن دينكم وذهبت دنياكم واخرتكم111 .

وتلتقي كتب التفسير هنا على أن الهزيمة الجزئية التي أصابت المسلمين في غزوة أحد كانت مجالا لطمع الطامعين ودسائس الكفارو المنافقين في المدينة ممن انتهزوا الفرصة ليثبطوا من عزائم المسلمين ويخوفوهم عاقبة السير مع محمد ويصوروا لهم مخاوف القتال وعواقب الجهاد لذلك نزل القرآن ينصح المؤمنين بالتماسك والتآزر والصمود والاستغناء بالإسلام وبالقرآن عن نصيحة الكافرين والمنافقين وهي قاعدة لا تختص بزمانها ولا مناسبتها بل تمتد في الزمان والمكان ما دام الإنسان .

ثم فتح القرآن لهم باب الأمل والرجاء وشدد من عزائمهم بتذكيرهم أن الله هو مولاهم وناصرهم وهو القوي الذي لا يخذل أولياءه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (149)

{ المحسنين ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان فضائله ، وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الإعتناء بما في حيزه ، ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأن الآية نزلت كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم والتعبير عنهم بذلك قصداً إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم ، وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الإستكانة لهم وطلب الأمان منهم وإلى ذلك ذهب السدي ، وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ولا تصدقوهم بشيء في ذلك ، وإليه ذهب ابن جريج ، وحكي أنهم كانوا يلقون إليهم الشبه في الدين ويقولون : لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً لما غلب وَلمَا أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً عليه ويوماً له فنهوا عن الإلتفات إليها ، وإما سائر الكفار . وذهب إلى جواز ذلك بعض المتأخرين ، وأتى بإن للإيذان بأن الإطاعة بعيدة الوقوع من المؤمنين .

{ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم } أي يرجعوكم إلى أول أمركم وهو الشرك بالله تعالى والفعل جواب الشرط . وصح ذلك بناءاً على المأثور عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن الكلام معه في قوة { إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } في قولهم : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم ، ويؤول إلى قولك : إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم وفيه اتحاد الشرط والجزاء بناءاً على أن الإرتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في الحور بعد الكور ، وقيل : إن المراد بالإطاعة الهمّ بها والتصميم عليها أي إن تصمموا على إطاعتهم في ذلك تردوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر وهذا أبلغ في الزجر إلا أنه بعيد عن اللفظ ، وجوز أن تكون جوابيته باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى : { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } أي فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة وذلك أعظم الخسران .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يا أيها الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } وهم النفوس الكافرة وصفاتها { يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم } إلى أسفل سافلين وهو سجين البهيمية { فَتَنقَلِبُواْ } ترجعوا القهقرى { خاسرين } [ آل عمران : 149 ] أنفسكم .