تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ} (8)

المفردات :

لقضي الأمر : أي لتم أمر إهلاككم .

ثم لا ينظرون : أي لا يهملون طرفة عين .

التفسير :

8- وقالوا لولا أنزل علينا ملك يحكي القرآن لونا آخر من اقتراحات المشركين التي تؤيد تعنتهم وجحودهم للحق ، فالرسول أمامهم عرف بينهم بالصدق والأمانة وحسن الخلق ، والقرآن أمامهم يلمسون إعجازه وتفوقه وسلاسته وسلامته من كل عيب ، ويدركون أنه فوق مستوى البشر ومع كل ذلك يقترحون ألوانا من الاقتراحات ومنها ما حكاه القرآن الكريم في عدد من السور ، وكمثال ذلك ما ورد في سورة الإسراء وهو يتضمن مثل هذا الاقتراح بمجيء ملك أو ملائكة تصدق الرسول في دعواه الرسالة واقتراحات عدة تدل على التعنت . وتدل على الجهل بكثير من الحقائق الكونية ، وكثير من القيم الحقيقية .

قال تعالى : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا . ( الإسراء : 89-95 ) .

فقد اقترحوا في هذه الآيات تفجير ينابيع الأرض في مكة حتى تنبت الجنان والبساتين ، أو نزول عذاب من السماء أو مجيء الله والملائكة يصدقون رسالته أو أن يملك محمد بيتا من الذهب ، أو يصعد في السماء شريطة : أن يأتي بكتاب معه من السماء يؤيد صدقه .

وكان جواب القرآن إنني بشر يوحى إلي برسالة تخاطب العقل والفطرة وتقدم الأدلة العقلية على صدقها .

وقد كذبت أمم السابقين بسبب استكثارهم أن يختار الله بشرا ثم يوحي إليه بالرسالة ، مع أن هذا لا غرابة فيه فالرسول ينبغي أن يكون بلسان قومه ليبين لهم ، ولو كانت الأرض فيها ملائكة تمشي في منطقة منها لأرسل الله إليهم ملكا مثلهم يحمل رسالة الله إليهم .

وقد كان تصور عرب الجاهلية عن الملائكة تصورا فجا فيه الكثير من الأخطاء فقد زعموا أن الملائكة بنات الله ، وأن الله قد اختار زوجة من الجن لتنجب له الملائكة ، وسموا بعض الآلهة بأسماء الملائكة ، وقد صحح القرآن ضلالاتهم في سورة النجم وفي غيرها من السور .

وقالوا لولا أنزل عليه ملك . روى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه الآية قال :

( عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ ، فقال زمعة بن الأسود بن المطلب ، والنضر بن الحارث وأبي بن خلف ، والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ، ويرى معك فأنزل الله في ذلك قوله : وقالوا لولا أنزل عليك ملك . . . ) .

أي قال الكافرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هلا كان معك يا محمد ملك لكي يشهد بصدقك ، ونسمع كلامه ونرى هيئته ، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك .

ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون . لقد جرت سنة الله في إنزال الملائكة أن يرسلهم لإهلاك المكذبين . كما أرسلهم إلى قوم لوط ، أو جرت سنته في أن من طلب آية أو معجزة ثم تحقق إرسال الآية ولم يؤمن أن يهلكه الله ولا ينظره فقد أعطى ثمود الناقة آية فعقروها : فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها ( الشمس : 14-15 ) . أو أن الله لو أرسل ملكا في سورته الحقيقية فشاهدوه بأعينهم ، لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون من غير تأخير أو انتظار .

من أجل هذا لم يستجب لأهل مكة حتى لا ينزل بهم عذاب الاستئصال تكريما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحقيقا لوعده : وما كان الله أن يعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون . ( الأنفال : 33 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ} (8)

{ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } الظاهر أنه استئناف لبيان قدحهم بنبوته عليه الصلاة والسلام بما هو أصرح من الأول ، وقيل : إنه معطوف على جواب لو ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل ، واعترض بأن تلك المقالة الشنعاء ليست مما يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل الكتاب المذكور بل هي من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل ، وأجيب بأنه لا بعد في تقدير صدور هذه المقالة على تقدير ذلك التنزيل لأنه مما يوقع الكافر المعاند في حيص بيص فلا يدري بماذا يقابله وأي شيء يتشبث به . وكلمة { لَوْلاَ } هنا للتحضيض ، والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق قال : «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب . والنضر بن الحرث بن كلدة وعبدة بن عبد يغوث وأبي بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ } الخ أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يحدث الناس عنه ويخبرهم أنه رسول من ربه سبحانه إليهم ، ولعل هذا نظير ما حكى الله تعالى عنهم بقوله جل شأنه : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } [ الفرقان : 7 ] . ولما كان مدار هذا الاقتراح على شيئين . إنزال الملك على صورته وجعله معه صلى الله عليه وسلم يحدث الناس عنه وينذرهم . أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يوجد لاشتماله على المتباينين فإن إنزال الملك على صورته يقتضي انتفاء جعله محدثاً ونذيراً وجعله محدثاً ونذيراً يستدعي عدم إنزاله على صورته .

وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى : { وَلَوْ أَنزَلْنَا } عليه { مَلَكًا } على صورته الحقيقية فشاهدوه بأعينهم : { لَقُضِىَ الامر } أي لأتم أمر إهلاكهم بسبب مشاهدتهم له لمزيد هول المنظر مع ما هم فيه من ضعف القوى وعدم اللياقة .

وقد قيل : إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم هم إنما رأوا الملك في صورة البشر ولم يره أحد منهم على صورته غير النبي صلى الله عليه وسلم رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء ، ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صح من رواية الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحداً من إخوانه الأنبياء غيره عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك ، ولم يرد هذا كما قال ابن حجر وناهيك به حافظاً في شيء من كتب الآثار ، وإما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل عليه السلام على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب ، وظاهر الأخبار وقوعها أيضاً لنبينا عليه الصلاة والسلام ، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شيء لا نفياً ولا إثباتاً ، وعدم وقوع رؤية جبريل عليه السلام لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره إذ ليست صور الملائكة كلهم كصورته عليه الصلاة والسلام في العظم ، وخبر الخصمين والأضياف لإبراهيم ولوط وداود عليهم السلام ليس فيه دلالة على أكثر من رؤية هؤلاء الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين وهي لا تستلزم أنهم لا يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلاً عدم رؤيته عليه الصلاة والسلام إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه الأخبار ، وبناء الفعل الأول في الجواب للفاعل مسنداً إلى نون العظمة مع كونه في السؤال مبنيا للمفعول لتهويل الأمر وتربية المهابة ، وبناء الثاني للمفعول للجري على سنن الكبرياء .

وكلمة { ثُمَّ } في قوله تعالى { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } أي لا يمهلون بعد إنزاله ومشاهدتهم له طرفة عين فضلاً عن أن يحظوا منه بكلمة أو يزيلوا به بزعمهم شبهة للتنبيه على بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار فإن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة ، وقيل : إنها للإشارة إلى أن لهم مهلة قدر أن يتاملوا . واعترض بأن قوله سبحانه : { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } عطف على قوله عز وجل : { لَقُضِىَ } ولا يمهل للتأمل بعد قضاء الأمر . وقيل في سبب إهلاكهم على تقدير إنزال الملك حسبما اقترحوه : إنهم إذا عاينوه قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته الأصلية وهي آية لا شيء أبين منها ثم لم يؤمنوا لم يكن بد من إهلاكهم فإن سنة الله تعالى قد جرت بذلك فيمن قبلهم ممن كفر بعد نزول ما اقترح وروي هذا عن قتادة ، وقيل : إنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزوله لأن هذه آية ملجئة قال تعالى : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 58 ] فيجب إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عارياً عن الحكمة إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف وهو لا يبقى مع الإلجاء ، وفيه أنه مخالف لقواعد أهل السنة ولا يتسنى إلا على قواعد المعتزلة وهي أوهن من بيت العنكبوت ومع هذا هو غير صاف عن الإشكال كما لا يخفى على المتتبع ، وذكر بعض الفضلاء أن هذا الوجه ينافي ما قبله لدلالة ما قبل على بقاء الاختيار وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا الملك قد نزل ودلالة هذا على سلب الاختيار وزواله وإن الإيمان إيمان يأس .

وقال ابن المنير : «لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك فإنه ربما يفهم من ذلك أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح وليس الأمر كذلك . فالوجه والله تعالى أعلم أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزاً لا المعجز الخاص فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم فلم ينجع فيهم كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة » ، ولعل الوجه الذي عولنا عليه هو الأولى ، وقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والاعتراض عليه بأن { لاَ يُنظَرُونَ } يدل على إهلاكهم لا على هلاكهم برؤية الملك يندفع بما أشرنا إليه كما لا يخفى ، وليس بتكلف يترك له كلام ترجمان القرآن .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالُواْ } لضعف يقينهم { لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } فنراه لتزول شبهتنا { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الامر } [ الأنعام : 8 ] أي أمر هلاكهم لعدم قدرتهم على تحمل مشاهدته